المقالات

نقد هوياتي لثلاث طروحات "غير هوياتية"

 

 
 
نقد هوياتي لثلاث طروحات "غير هوياتية"
 
د. عبدالله الحلوي
جامعة القاضي عياض, كلية الآداب مراكش
 
 
الأطروحةالأولى
 
من الإعتراضات الفكرية التي وجهت للفكر الهوياتي الأمازيغي المعاصر ذلك الاعتراض المبني على مبدأ "الأممية". وجوهر هذا المبدأ في بعض المذاهب الماركسية ما يلي: إن واقع الصراع مع الإمبريالية الدولية, إذ تحاول أن تصدر صراعاتها الداخلية إلى الخارج بالإستعمار والإستعمار الجديد, هو واقع أممي .. لذلك فلا يمكن مواجهته سوى بمقاومة بروليتارية أممية. وكل محاولة للحديث عن "هوية محلية" هي شوڤينية منغلقة تخدم مصالح الإمبريالية موضوعيا, لأنها تخفي الطبيعة الإقتصادية للصراع ولأنها تفتت "جبهة" المقاومة للإمبريالية الدولية.
 
من مفارقات الفكر الماركسي أنه لم يقدم أي تحليل أنتروبولوجي أو فلسفي ملموس لمعنى "الهوية", حتى نرى ما إذا كنا نتحاور حول نفس الشيئ أم نتحدث عن أمور مختلفة. فقد بينت في مقال آخر أوجه القصور والسطحية في مفاهيم "الأيديولوجية" و "البنية الفوقية" اللذين يشكلان الإطار النظري لفهم الإنتاج الثقافي عند الماركسيين. فماذا يعني أن يحيل الفرد أو الجماعة على "أناهما". كيف تتشكل هذا الأنا تاريخيا? كيف تتحول إلى "ثيموس" يمكن أن يبني الدول أو يهدمها? مامعنى الإحالة على الذات وما هي حقيقتها الوجودية? مادور واسمات الهوية الجماعية في بناء العلاقة الإجتماعية أوالحفاظ عليها? ... لم يجب الفكر الماركسي على هذا السؤال .. بل لا يبدو أن الماركسيين واعين بتجليات الهوية الفردية والجماعية داخل ممارساتهم السياسية. فالتعابير التي يستعملونها مثل "رفيق" هي واسمات هويتهم الجماعية الحزبية التي عوضوا بها عن هوياتهم الحقيقية. فإما أن تعيش هويتك التاريخية وإما أن تعوضها بهوية مستلبة من صنع اغترابك الأيديولوجي ... يمكن أن نعيش بدون سياسة وبدون أرز .. ولكن لا يمكن أن نعيش بدون هوية.
 
من المغالطات التي يسعى بعض "الحداثيين" "أمميون" و في تامازغا إلى تمريرها في خطابهم أنهم "منفتحون" على جميع الثقافات. ووجه المغالطة في هذه الأممية الزائفة أنهم يركزون في خطابهم على المبدإ, وهو "الأممية" في هذه الحالة, دون أن يدققوا في النتائج التطبيقية لهذا المبدإ. لذلك فلابد لكل إصلاح للفكر الماركسي أن يتجنب التعويمات الشعارية وأن يجيب بوضوح على الأسئلة التالية: ماموقفكم من الأيديولوجية العروبية التي أقصت اللغة والثقافة الأمازيغية لقرون? ما هي رؤيتكم لاستعادة المسلوب الثقافي الأمازيغي? ما هي رؤيتكم لتعميم استعمال وتعليم الأمازيغية? ما موقفكم من الحق الأمازيغي في المعيرة? ما هي قراء تكم للتاريخ المزور الذي كتبه العروبيون مثل العروي لتبرير الأيديوليجية السائدة? كل محاولة لتجنب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة هي هروب بئيس لمستقبل غير تاريخي. 
 
وأخيرا ... إن الأممية الحقة .. الإنفتاح على جميع الثقافات والأفكار لا يكون ممكنا إلا بوجود "المنفتح", والمنفتح هو الهوية الأصيلة التي تحدد سلوكنا وأقوالنا وأفعالنا دون أن نكون واعين بوجودها في حياتنا. فتيموزغا ليست "اختيارا" بل هي واقع قائم في لغتنا (الدارجة والأمازيغية كليهما) وعاداتنا الغذائية (الدراسات الأنتروبولوجية تقول لك بأن الطاجين وأكل الحلزون يرجع إلى آلاف السنوات قبل الميلاد), وفنوننا (ابحث عن شيئ مثل "العيطة" في الشرق .. لن تجده أبدا!) ... (ارجع إلى ما قاله الجابري عن احتفاظ المغرب بالعقلانية الرشدية التي رفضها الشرق. وأعد النظر كرتين فيما كتبه الأستاذ بنميس عن تاريخ الفكر العقلاني في تامازغا) وفي كل مظاهر التأنسن في حضارتنا. لا يمكننا أن ننفتح على الغير بشكل أصيل وفعال وواثق من خطواته إلا أستعدنا ما أكله الجراد في تاريخنا ... أي هويتنا.   
 
الأطروحة الثانية
 
من الإنتقادات التي وجهت للفكر الأمازيغي (بشكل ممل يدل على أن أصحابه غير مطلعين على ما ينتجه المفكرون الأمازيغ), أن دعاة التمزيغ يركزون اهتمامهم على المشكلة الثقافية واللغوية, التي هي, في نظر أصحاب هذ النقد, تافهة ولا تستحق أن نبذل في سبيل التعاطي معها أي جهد خاص. ومعظم من وجه هذا النمط من النقد للفكر الأمازيغي هم من العروبيين المقنعين الذين يتسترون بالفكر اليساري لإعطاء بعض المشروعية للهيمنة الأيديولوجية العروبية وصبغها بطابع "الواقع" الثقافي الذي ينبغي أن نعتبر كل نقد له مجرد "ألهيات وترف فكري" منفصل عن هموم "الشعب" .. . الشعب الذي فوضوا أنفسهم للحديث باسمه.
 
سأحاول هنا أن أصوغ الخطوط العريضة لتقييم فكري أمازيغي للفكر السوسيو اقتصادي الماركسي من وجهة نظر المجتمع غير النامي الذي يطمح إلى تحقيق تنمية داعمة للمطالب الإجتماعية الآنية مثل مطلب توفير الشغل للمواطنين وغيرها.
 
1 الإستغلال والإستلاب
 
ينبني النقد الماركسي لنمط الإنتاج الرأسمالي على مبدأين أخلاقيين, وهما رفض "الإستغلال" و رفض "الإستلاب". ينطلق ماركس في تحليله لواقع الإستغلال والإستلاب الرأسماليين من فهم "للبضاعة" ينبني على القيمة التبادلية للبضاعة تتحدد بما يستثمر فيها من عمل. وعليه, فإن المنتوج الصناعي لا يخلق قيمة مضافة بما يملكه الرأسمالي من وسائل إنتاج, بل بما يوظفه العامل من عمل في عملية الإنتاج. وبذلك ف "الإستغلال" هو أن يستأثرالرأسمالي بما ينتجه العمل من قيمة مضافة مستعملا في ذلك قوة العامل "مستغلا" لعدم امتلاك هذا الأخير لوسائل الإنتاج. و "الإستلاب" هو أن لا يتناسب حجم العمل الذي ينتجه العامل مع ما يجنيه من "فائدة" منهذا العمل. فكلما اجتهد العامل في عمله, كلما تبددت قواه وامتص رأس المال ما ينتجه من قيمة مضافة. فغاية الرأسمال, في المجتمع الرأسمالي, هي تضخيم نفسه مهما كانت النتائج. لذلك يصف ماركس الإنسان الرأسمالي على أنه "رأسمال مشخص".
2 مشاكل التحليل الماركسي
تكمن المشكلة الأولى للتحليل الماركسي في كونه لم يحلل سوى المجتمعات لم يفكر إلا في المجتمعات الرأسمالية التي تراكمت فيها الثروة بشكل يسمح بالتفكير في تدبير "الإستغلال" والإستلاب "بطريقة فعالة. أما المجتمعات التي بقيت في طور إنتاج قبل رأسمالي (الذي يتميز حسب بعض الماركسيين الذين حاولوا تدارك هذه الفجوة النظرية في فكر ماركس, مثل سمير أمين, بضعف البنية التحتية والتضخم الأيديولوجي والتبعية الإقتصادية) والتي لم تنجح في مراكمة الثروة, فلم تستطع تحقيق السبل التي ينبغي أن تراكم بها الثروة, اللهم إذا أردنا احتساب تعليق لكارل ماركس (كثيرا ما أحرج المفكرين الماركسيين) في إحدىمراسلاته مع إنڭلز يستحسن فيه دور الإستعمار في الدفع بالمجتمعات المتخلفة إلى عتبات التصنيع الرأسمالي التي تقود إلى الثورة على رأسالمال.
 
المشكلة الثانية هي أن ماركس لم يحلل سوى نوع واحد من الإستلاب وهو الإستلابالسوسيو اقتصادي. فمفهوم "الإستلاب" مفهوم هيڭلي كان يفهم منه هيڭل "اغتراب الروح" عن نفسه. فالعامل يحس بمرور الوقت أنه كلما أنتج أكثر, كلما أضاع نفسه أكثر .. كلما كان أكثر خلقا في الإنتاج, كلما ضعف مردوده .. إلاأن هذا الإستلاب لا يخبر في مجال الإنتاج الإقتصادي فقط بل في كل مجالات التأنسن الأخرى مثل السياسة والثقافة. فقد بين بعض المفكرين الذين كانوا ماركسيين وانفصلوا بعد ذلك عن الماركسية, مثل دوبروي, أن البناء الهرمي للحزب الشيوعي الديكتاتوري في الإتحاد السفييتي سابقا, قد خلق نوعا من الإستلاب السياسي لدى أعضاء هذا الحزب صاروا معه أشبه ما يكونون بالعامل الذي لايزيده اجتهاده في العمل إلا تدميرا لذاته. ومن أخطر أنواع الإستلاب أيضا الإستلاب الثقافي مثل هذاالذي تعيشه تامازغا منذ قرون. فالإنسان الأمازيغي (سواء أكان متكلما بالأمازيغية أم بغيرها) طور إحساسا بأنه "غريب" في جغرافيته وبأن لغته لا مكان لها, بطبيعتها, في عالم اليوم, حتى أصبح بعضهم (خصوصا قبل الحراك الثقافي الأمازيغي الأخير) بفعل الضغط الأيديولوجي, يتنكر لهويته, تيموزغا, ويفضل الإرتماء في أحضان التاريخ المزور الذي أنتجه المخيال العقيم للأيديولوجية العروبية الشريرة.
 
المشكلة الثالثة للفكر السوسيو اقتصادي الماركسي أنه لم يفكر في آليات إنتاج الثروة بقدر ما فكر في أنماط إنتاجها وطرق توزيعها .. فالتحدي الرئيس المطروح على المجتمعات الثالثية هو: كيف ننتج "الكثير" الذي لا نملكه من القليل الذي نملكه. والفشل الذريع الذي منيت به الحكومات المتعاقبة على مغرب اليوم, مثلا, مرده عدم توفر هذه الحكومات على كاريزمات تبث روح الإبداع السوسيو اقتصادي في دواليب الدولة والمجتمع بشكل يجعل الفرد منتجا ل "لأفكار الجيدة" التي تخلق "المشاريع" الجيدة. حتى إن فكرة "المشروع" لا زالت غامضة في ثقافتنا المغربية المعاصرة بشكل يجعل الأفراد لا يميزونها عن فكرة "النظام" و "التخطيط" وغيرها من المفاهيم التي لا تتضمن بالضرورة معاني الخلق والإبداع.
 
 
الأطروحة الثالثة
 
من الدعاوي الماركسية التقليدية التي اضطر العديد من الماركسيين إلى التبرؤ منها وبقي أرباع مثقفيهم متشبثين بها تشبث المتدين بنصوصه المقدسة تلك التي تربط ربطا ميكانيكيا بين ما يسمى "بالبنية التحتية" و "البنية الفوقية". وجملة رأي الماركسية التقليدية في هذا الأمر أن الجماعات البشرية تعرف نوعين من "التبنينات" في قوامها العام, أحدها مرتبط بنمط الإنتاج علاقات الإنتاج السائدة (وتلك البنية التحتية) والآخر مرتبط بمختلف أشكال الإنتاج الذهني والفكري والرمزي (الأيديولوجي بصفة عامة). وترى الماركسية التقليدية أيضا أن العلاقة بين هذين المستويين هي علاقة "تحديد" بمعنى أن البنية التحتية تحدد الشكل النهائي للبنية الفوقية. والوظيفة الرئيسة للبنية الفوقية هي أن تبرر (وبالتالي, تؤبد) علاقات الهيمنة الناتجة عن العلاقات الصراعية المعتملة في البنية التحتية. ويمكن انطلاقا من هذا التصور أن ننظر إلى الأيديولوجيا على أنها شبيهة بآلة تصوير قديمة يدخل فيها المصور رأسه ليجدها حالكة الظلمة من الداخل وليكتشف بأن كل الصور الخارجية تبدو منعدستها مقلوبة .... الأيديولوجية, بهذا المعنى, وعي زائف, يهدف إلى قلب الواقع وتشويهه بما يبرر مصالح الطبقات المهيمنة.
 
 
يمكن أن ننتقد هذا التصور الموغل في سطحيتة من نواح عدة:
 
 
أولا لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن هناك مجتمعات كثيرة تلعب فيهاالأيديولوجية والثقافة دور المحدد, خصوصا تلك المجتمعات ذات نمط الإنتاج الهش التي لم تنجح في تطوير اقتصاد متطور وعقلاني. منه هذه المجتمعات التي درست بعناية المجتمع الصيني الذي لعبت فيه الكونفوشستية دورا حاسما, لا في تبرير علاقات الهيمنة, ولكن في بناء علاقات الهيمنة. ومن هذه المجتمعات أيضا التي بين محمد الجابري في كتابه "العقل السياسي العربي" أن محددات الممارسة السياسية فيه كانت دائما ذات طبيعة ثلاثية: القبيلة (صراع العرب مع غيرهم من الشعوب); العقيدة: صراع المذاهب الكلامية) والغنيمة (الصراع على توزيع غنائم "الجهاد »). لذلك فهناك من الماركسيين "الأرثوذكسيين", مثل لوي ألتوسير, ممن اضطر إلى التخلي عن فكرة "التحديد" ليعوضها وال "تحديدالمتضافر"
. ثانيا أن الماركسية التقليدية قد جمعت تحت مصطلح "الأيديولوجية" أنماطا شديدة الإختلاف من منتوجات الذهن الإنساني بحيث يستحيل تقييم دعوى "التحديد" أصلا: فاللغة, مثلا, التي اعتبرها مايكائيل باختين وغيره من الماركسيين, جزء ا من البنية الفوقية تختلف اختلافا جذريا في طريقة اشتغالها عن "الموضة" التي يمكن اعتبارها أيضا جزءا من البنية الفوقية بحكم طبيعتها الثقافية. فاللغة تحكمها مبادئ مجردة مستقلة عن السياق ومن هنا بطئ تغيرها مثلا, أما الموضة فهي مرتبطة بالسياق ارتباطا شبه كامل.
 
 
ثالثا أن تأويل كل أشكال "البنية الفوقية" على أنه وعي زائف دفع بالفكر الماركسي تدريجيا نحو "النسبوية" التي تساوي بين كل أشكال الفكر, فلا فرق بين "الدين" و "العلم" و "الخطابات السياسية المخادعة" و "حكي النكات". .. لأن الجامع فيما بينها, في نظرهم, أنها جميعها "أيديولوجيات" تتغيى تبرير "العلاقات الصراعية داخل الجماعة البشرية". ولعل أخطر نتائج هذا الفهم المشوه للتأنسن فشل الفكرالماركسي في بناء تصور أخلاقي للتعاملات الذواتية والإجتماعية .. فلسنا ندري لهم موقفا من تعدد الزوجات ومن الخيانة الزوجية ومن الشذوذ الجنسي ومن قيم العائلة ... بل ليست هناك أية نظرية ماركسية في "القيمة" (التي تعارض "الوجود") التي بها تتحول الكينونة الإنسانية من من مجرد وجود مصمط إلىكائن فريد في ملكوت الخليقة.
 
خلاصة: إننا اليوم أحوج ما نكون لأرغانون للتفكير جديد لا يفصل مظاهرالتأنسن عن بعضها البعض بل يربط بينها ربطا لحمته هو ما تنغرس فيه هذه المظاهركلها, أي وجودها ... فالإستلاب واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان ليس مجرد ظاهرة اقتصادية, بل هو, في جوهره, التواء وجودي لا يمكن أن يفهم إلا في ضوء فشل الكينونة الفردية والجماعية في تدبير تصادمها مع وجودها. فالإستغلال, مثلا, ليس مجرد امتصاص للقيمة المضافة من طرف رأس المال, بل هو حالة عدم توازن بين اعتبار الكينونات الأخرى "كينونة" واعتبارها "وجودا مصمطا" ينزل منزلة الوسيلة ... بحيث يمكن أن تأخذ حالة عدم التوازن هذه أشكالا متعددة قد تتدرج من "استغلال الصداقة" إلى "استغلال" الشعارات الإنتخابية لتحقيق المصالح الآنية ".
ومن حسنات الفكر الأمازيغي, بانطلاقه من الثقافة وبتأمله في أحوال الإستلاب الثقافي, أنه أقدر من غيره على رؤية تراجيديا الوجود الإنساني في شموله الوجودي.

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع