المقالات

"المشرملين" وما جاورهم !

 

 

 
 
 
 
انتظر يوم الأحد من أجل أن يأخذ زوجته لزيارة أحد أقربائهم بأحد الأحياء الشعبية بالدار البيضاء، لم يعرفا ذلك الحي بشكل مستفيض لأنهما لا يترددان عليه كثيراً، ترجلا من سيارة التاكسي ودخلا بين الأزقة، ترصدهما أحد قطاع الطرق، أدرك أنهما غريبين عن الحي ويمكن سرقتهما بسهولة، انتظر حتى قلّت حركة المارة، ليهجم عليها بسيفه الطويل آمرا بإعطائه كل ما يملكان، خاصة خاتم الزواج الذهبي الذي لا ترتديه الزوجة إلا عندما تريد زيارة الأهل والأحباب، لم يتمالك الزوج نفسه إلا وهو يوجه ضربة قاصمة برجله إلى وجه قاطع الطريق، أردته على الفور مغشياً عليه بكسر في الجمجمة، النتيجة: اعتقال الزوج والحكم عليه ببضعة أشهر، وطرده من عمله وهو الذي بدأ للتو حياته الزوجية.
 

ليست سوى قصة من قصص تعجّ بها الدار البيضاء لأسر تهدّمت بسبب قاطع طريق، فتيات بجراح غائرة في الوجه، شباب بعاهات مستديمة، وآخرون قُطّعت أجزاء من أجسادهم، السبب: أن البعض منّا، وعوض أن يشمر عن سواعد الجد ويبحث عن اللقمة الحلال، بحث في جيوب وحقائب الآخرين عمّا يسد به رمقه، فصار الشاب الذي يشتغل في السوق بقليل من الدراهم، مدعاةً للسخرية مادام "المشرمل" ومن على وزنه، قد يربح من سرقة واحدة "سمارت فون" وخاتما ذهبياً وحاسوباً محمولاً يحقق من خلالها عائداً ببضعة آلاف من الدراهم يومياً.

قلة الأمن بالدار البيضاء زاد من وحشية مدينة مرهقَة حد التخمة، ولم يكتفِ مواطنها البسيط بالكد صباح مساء وراء عيش كريم وسط زحمة مساكن علب الكبريت وحافلات التدافع الحراري، بل صار عليه أن يحذر من الوقوع ضحية افتراس أحد من هؤلاء. الأمر شبيه بالبرامج الوثائقية عن الحياة البرية التي نشاهدها في "ناشيونال جيو غرافيك" حيث لا وجود للأمان، والخروج إلى الشارع قد يؤدي إلى تجريدك ممّا تحمله، هذا إن التقيت بقاطع طريق "وْلد الناس"، أما إن كان حظك سيئاً، فسكين مغروس في الثوم سيزور وجهك.

في الأعراف القروية القديمة، عندما كان السكان يكتشفون وجود لص في السوق، كانوا يشتركون في القصاص منه، وإن كان اللص محظوظا، فقد تُكْسر عظامه ويرخى سبيله، أما إن سقط في أيدٍ غليظة فقد ينتهي به الضرب إلى الوفاة، فالمغاربة كانوا على استعداد لحماية رزقهم من كل سارق، وبذلك كان الواحد يفكر أكثر من مرة قبل أن يمدّ يده إلى متاع غيره، أما الآن، فقد يتم سحلك أمام الملأ، وتجريدك من كل ما تملك، ولا أحد يحرك ساكناً، على اعتبار أن الخوف استعمر النفوس، فإن لم يكن من ضربة سيف تبتر الأيادي، فهو من قانون قد يَعتبر المدافع عن الحق مجرماً بتعدد التأويلات.

على الأمن أن يقوم بما يتوّجب عليه فعله، أي اعتقال كل من يهدد ممتلكات وحياة الآخرين، فالحق في الأمن هو حق مقدس، ودولة لا أمن فيها لا قيمة لها، وكل حديث عن التربية والعلاج النفسي والأدوار الاجتماعية والتأهيل وما إلى ذلك، قد يبقى مقبولاً إن أتى بعد اعتقال هؤلاء وتنظيف شوارعنا من كل أشكال الجريمة، أما أن يردد البعض منا مثل هذا الحديث في الوقت الذي يتجوّل فيه الخطر بحرية بيننا، فإما أنه يعيش في أمان ويكتفي بالتنظير من علٍ، أو أنه مصاب بمرض "عشق الجلاد"، وهو مرض منتشر في أوطاننا التي يتلذذ فيها بعض المواطنين بعشق من ينهبهم.

استعادة أمن المواطنين هو الرهان الذي على حكومة بنكيران الانكباب عليه، دعونا حالياً من سجالات ماذا يملك الوفا وماذا يملك البقالي، ومن نقاشات التماسيح والعفاريت، ومن قفشات شباط ولشكر، أمن المواطنين أسمى من كل هذه الانشغالات، وكما تصدت بلدان كثيرة للجريمة، فعلى الدولة المغربية أن تضرب بأيدٍ من جمر على كل عابثٍ بحرمة الآخرين، أما إن كان هذا التلكؤ في محاربة الجريمة يعود إلى خوف جهات في الدولة من أن حرباً مماثلة على الإجرام قد تؤدي إلى وعي الشعب بخطورة السرقة بشكل عام وينتبه بالتالي إلى من يسطو على ماله العمومي، فذاك كلام آخر !

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع