المقالات

المجال السلالي الممدن والهوية الثقافية لمدينة ورزازات

لحسن آيت الفقيه

من مميزات المجال الممدن بمدينة ورزازات أنه ذو هوية ثقافية وإثنوغرافية، وسمة سوسيومجالية مرتبطة بعشائر النقط العمرانية على شاكلة قبائل القصور: تاوريرت، وسيدي داود وتاصموعت، وهي الآن أحياء ذات هوية قانونية، وذات شخصية في تصميم التهيئة، لمدينة ورزازات. ورغم التحولات المجالية فإن التشبث بالهوية الثقافية صامد وقائم على أساس متماسك.
أُفصح أن ليس لدي دراية فائقة بأحوال المجتمع المديني، لكني أخال أن التشبث برموز الثقافة غير العالمة في العمران، والأزياء، والعادات، والأرض دليل على قوة التمسك بالهوية الثقافية للعشائر القاطنة مجالا أريد له أن يكون ممدنا حاملا اسم مدينة ورزازات. حصلت في وقت متأخر على نسخة من ملف لأحد المناضلين في مجال الدفاع عن الحقوق الثقافية، وعدالة القضية الثقافية، وشرعية التشبث بالأرض، أرض الآباء والأجداد وتمتعت بمضامين الوثائق التي حواها الملف، لعلاقتها، لا بشكل مرغوب فيه، بالثقافة غير العالمة. ذلك أن المرغوب فيه الدفاع عن حقوق ذوي الحقوق من أفراد العشائر: تاوريرت وسيدي داود وتاصومعت.
ولقد حدث في مساء يوم 11 من شهر يونيو 2011 انتخاب نائب الجماعة السلالية، لينوب، كما ورد في محضر الجمع العام المنظم لتلك الغاية، عن العشائر المذكورة «في اتخاذ القرارات الإدارية والقانونية عند الاقتضاء»، وهو في الواقع تجديد المجلس العرفي.
ولقد وظفت كل آليات القانون الوضعي الحديث لصيانة الحق في الدفاع عن الهوية الثقافية. فالجمع العام المذكور مستند، لتحقيق مراده، كما هو مضمن في محضر الاجتماع، إلى «دليل نائب الجماعة السلالية المعد من لدن مصالح الوصاية»، والذي يهدف إلى توضيح الضوابط وتوحيدها، «الضوابط المتعلقة بكيفية انتقاء الشخص المؤهل لتدبير شأن الجماعة السلالية» اعتمادا على شروط تؤهله لتلك المهمة، واستحضار لاختصاصاته، «ومجالات تدخله في تسيير ممتلكات الجماعة السلالية».ولم يَغفل المنظمون «إشعار السلطات المحلية بعد تعذر التسليم المباشر عن طريق البريد المضمون»، وحق التسليم بوصل رقمه 517. و«أجريت عملية الاقتراع السري المباشر بشكل شفاف ونزيه أمام الحاضرين»، وساد «احترام كل الضوابط القانونية»، فكان اختيار نائب الجماعة السلالية لأحياء تاوريرت، وسيدي داود، وتاصومعت، وعين نائبه الأول الحاصل على المرتبة الثانية في الأصوات، ونائبه الثاني الحاصل على المرتبة الأخيرة، فالاختيارا كان ديموقراطيا.
ولم يغب المجتمع المدني عن هذه الدينامية العرفية ذلك أن مقر النسيج الجمعوي بورزازات محتضن الجمع العام لاختيار المجلس النيابي السلالي.
والسؤال الذي يطرح نفسه، ما الغاية من تجديد النظام العرفي في مجال جغرافي ممدن؟ وقبل ذلك ما علاقة الشخصية العرفية المعنوية بالسلطة الإدارية بالمجال الممدن المدعو ورزازات؟
قبل استقرار الرأي على اجتماع تجديد المجلس العرفي والنائب السلالي، ساد قلق معبر عنه في بعض الوثائق: ففي يوم 15 من شهر فبراير من عام 2011 استقبلت كتابة الضبط لدى المجلس الإقليمي بورزازات وثيقة سمتها «طلب ترتيب لقاء» يحمل توقيع تسعة أشخاص، غايته مناقشة شأن «الأرض التابعة لنفوذ سيدي داود وتاوريرت» خلف مطار مدينة ورزازات. وتأسس«طلب ترتيب لقاء» على عريضة موقعة من لدن المعنيين من ذوي الحقوق. ولا ندري ما إذا حصل ذلك في اللقاء أو لم يحصل لكن تبين أنه في الشهر الموالي مارس 2011 بدأ يتضح أن قبيلتين مجاورتين نشأتا تتراميان على أرض جماعية تحت تصرف قبائل تاوريرت، وسيدي داود، وتاصومعت «دون أي سند قانوني، ودون مراعاة الحدود الطبيعية والأعراف»، وورد في طلب ثان سمته «في شأن عقد لقاء» موجه إلى السيد عامل إقليم ورزازات بتاريخ 09 مارس 2011. وقد ثبت أن الغاية من اللقاء المطلوب بقوة مناقشة «شأن التعرض على تجزئة بأرض قبائل تاوريرت وسيدي داود وتاصومعت الجماعية الموجه إلى عمالة الإقليم يوم 08 من شهر مارس 2011»، وهو التعرض الذي حرر استجابة لواحدة من توصيات ممثلي لقبائل المذكورة الذين اجتمعوا يوم 07 من شهر مارس 2011 بمقر النسيج الجمعوي بورزازات.
ولا شيء يبين ما إذا حصل اللقاء بين المناضلين السلاليين والسلطة الإقليمية، بل لا آثار لجواب –محتمل- على رسائل السلاليين. ولم تكن آذان السلطة الإقليمية الصماء عامل إحباط ذوي الحقوق فقد نشطت المساعي لحل هذا الإشكال، حيث نجح النواب في إقناع السيد باشا مدينة ورزازات لعقد اجتماع يوم الاثنين 04 من شهر أبريل 2011 «بين ممثلي حي تاوريرت وسيدي داود، وتاصومعت والسيد باشا المدينة»، ولم يتضمن محضر الاجتماع أي حل عملي لمشكل الأرض الذي يطوله التفويت بمبالغ زهيدة، وكل ما هنالك وعود « لتوقيف التقسيم والتشجير» وعود استقصاها السيد الباشا من قائد المقاطعة الثالثة بمكالمة هاتفية، أجريت أمام الحاضرين طمعا في امتصاص غضبهم. ولم يف السيد القائد بالوعد حيث دأب التجمع السكني المجاور على التقسيم والتشجير.
وفي يوم الأربعاء 6 من شهر أبريل 2011 نظم اجتماع ثان بمقر باشوية مدينة ورزازات ضم فضلا عن السيد باشا المدينة «قائد المقاطعة الثالثة بمدينة ورزازات» وأعضاء لجان الأحياء، تاوريرت، وسيدي داود وتاصومعت، وبعد عرض المشكل الذي بيانه قيام سكان التجمع القروي المجاور بحيازة الأرض بضواحي مدينة ورزازات، اعترف السيد باشا المدينة بأن «الأرض المعنية» متعلقة بأرض الجموع، وتندرج في نطاق الحزام الأخضر المراد إنشاؤه بالمدينة. لكن السكان المترامين«لم يطبقوا المسطرة القانونية للاستفادة». لذلك اقترح «أن تشكل لجنة من الحاضرين للمشاركة في اجتماع لاحق سيعلن عن تاريخه ومكانه». ولا ندري ما إذا كتب للاجتماع الموعود أن يتحقق.
وبعد ذلك وجه أعيان الجماعة السلالية لتاوريرت وسيدي داود وتاصومعت شكاية إلى السيد الكاتب العام لعمالة إقليم ورزازات يوم 24 أبريل 2012 يشعرونه باستمرار النزيف، نزيف الترامي على الأرض الجماعية، وكف السلطات المحلية عن الاستجابة للشكايات والمطلب الملح أملا في «إنصاف القبائل الثلاث وإرجاع الحق إلى أصحابه». ومعنى ذلك، أن لعمالة إقليم ورزازات تقديرا لا يجانب الاحتمالات التالية:
– السلطة لا تعترف بالشخصية السلالية الموحدة: تاوريرت، وسيدي داود، وتاصومعت.
– غياب مخاطب قوي نائب أرض الجموع.
– غياب التحديد الإداري للمجال المعمر والقابل للتعمير بورزازات
– عدم فهم لباس الأرض الإثنوغرافي والثقافي.
وفي جميع الأحوال نشأ توتر يحتم على القبائل الثلاث المذكورة إعادة النظر في جسمها العرفي طمعا في الحفاظ على مجالها الوظيفي، وتحصين هويتها الثقافية. هنالك استقر الرأي على اجتماع يوم 11/06/2011 السالف ذكره.
وعقب انتخاب المجلس النيابي تبينت مواصلة الاستنكار بواسطة الشكايات حيث ألفينا شكاية بتاريخ 09 من شهر مارس 2013، موضوعها: طلب رفع الضرر، وغاية مسارها مصلحة الشؤون القانونية التابعة لقسم الشؤون العقارية بمديرية الشؤون القروية، يحمل توقيع نواب أراضي الجموع. ويكمن الضرر لذي تضمنته الشكاية في الترامي الحاصل بشكل غير قانوني من لدن نائب أراضي الجموع لموقع عمراني «التحقق بمدار الجماعة الحضرية لورزازات خلال التسعينيات من القرن الماضي» واستغرقت الشكاية أن الأرض التي طالتها يد نائب أراضي الجموع التابع بالتجمع العمراني المجاور «هي في الأصل تابعة للجماعة السلالية لأحياء، تاوريرت، وسيدي داود وتاصومعت، وفق خرائط معتمدة، ومن واقع التصرف الفعلي في هذه الأراضي بالرعي» وجمع الحطب. وفوق ذلك فجل المستفيدين من الأرض الجاري الترامي عليها «ليسوا من ذوي الحقوق مما يشكل خرقا واضحا للأعراف والقوانين الجاري بها العمل في مجال أراضي الجموع والأرض السلالية». وضمن الشكاية إشارة إلى المراسلات الموجهة إلى السلطات المحلية في شهر فبراير من عام 2011، لكن بدون جواب عدا تحرك يتيم «للقوات العمومية صوب الأراضي المعنية، إلا أن انسحابها فتح المجال لإعادة الأمور إلى حالها فتجددت الخروقات»، وبالتالي، فالتحرك الذي سجله المجلس العرفي بإيجاب «لم يفض إلى إنصاف ذوي الحقوق». لذلك جرى طرق باب السيد وزير الداخلية في شخص مديرية الشؤون القروية بما هو «سلطة الوصاية على أرض الجموع والضامن لصيانة الأعراف، وتفعيل القوانين ذات الصلة بهذا المجال، وذلك تفاديا لأي احتقان، أو أي صراع بين الطرف المترامي وذوي الحقوق، الذين يتزايد لديهم الشعور بالظلم باستمرار هذا الوضع اللاقانوني». وبعد إجراء البحث من «لدن الجهات المختصة أفاد أنه يتعذر على مصالح العمالة البث» في الشكاية. لذا تعين طرق أبواب القضاء للاختصاص. ذلك ما ورد في رد وزارة الداخلية لإحدى شكايات النواب، والذي حمل تاريخ 14 مارس 2013 ورقم 1538.
ما هي حدود المجال الوظيفي للمجال الوظيفي لقبائل تاوريرت وسيدي داود وتاصومعت؟
ورد في العدد 3544 من الجريدة الرسمية يوم فاتح أكتوبر 1980 ما يفيد أنه حصل تحديد ملك جماعة أهل ورزازات الذي يشمل أراضي الرعي ومياه السقي عند الاقتضاء، وهو كالتالي:
يحده شمالا أيت اكرور وجنوبا الطريقان الرئيسيان 31 و32 وملك جماعة أهل ورزازات (العقار 2 و5)، وشرقا ملك جماعة أيت كرور، وملك جماعة سكورة، وغربا ملك جماعة أيت زينب. وتبلغ مساحة العقارات الجماعية المسماة «أهل ورزازات 1، 2، 3، 4، 5 على وجه التقريب 52250. ولقد جرى التحديد يوم 17 نونبر 1980».
إن تقدير عمالة إقليم ورزازات يقترب إلى الاحتمال الأخير ضمن الاحتمالات الأربع المذكورة السالف ذكرها، أي أنها لم ترد أن تفهم أن للأرض لباسا ثقافيا إثنوغرافيا، وأن «أهل ورزازات»، ودوا الحفاظ على هويتهم الإثنوغرافية والثقافية وإضفائها على المجال الممدن والمجال القابل للتعمير. ولما صمد موقفهم الإيجابي من من الأرض اللابسة الرداء الثقافي زاغ المسؤولون عن إعمال سلطة المجلس النيابي، مادام التحديد الإداري قائما، فتعذر على مصالح العمالة البث في الشكاية، ونُصح المناضلون السلاليون بطرق باب القضاء.
وإنه لأول مرة يحدث التوتر بين المجال الممدن والهوية الثقافية الأصيلة في المجال بالجنوب الشرقي المغربي. ذلك أن المجال الممدن طالما يلتهم بسهولة الحقوق الثقافية في واحدة من تجلياتها، الأرض السلالية، كما جرى بمدينة الرشيدية، ومدينة ميدلت، والمركز الحضري الريش.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع