المقالات

المخزن و آليات صناعة الغباء السياسي

 

 


خميس بتكمنت
تتسم بنية النظام السياسي المخزني بثنائية الاحادية التحكمية، في استصدار القرارات السياسية، والجمع بين المتناقضات المفاهيمية في قاموس سياسي يغلب كفة السفسطة في الممارسة على كفة الاعتماد على الواقع السياسي المعاش الذي تسوده السلطوية الحامية لأشكال العبث السائد.لذلك يسعى المخزن إلى تسخير ميكانيزمات معقدة، لترسيخ الجمود السياسي الضامن لديمومة سيرورة النظام الاحادي، وإرساء أسس المؤسسة الوحيدة المختصة في توليد السياسات وتغييرها، وفق الحاجة التي تفرضها معطيات واقع الشارع السياسي.وللحفاظ على النمط السياسي القائم، يعمد المخزن إلى خلق كائنات سياسية متحكم فيها، هدفها التضليل والتمويه، وتشتغل على إشاعة مفاهيم مجهضة من قبيل الدمقرطة والانفراج السياسي والمضي إلى دولة الحق والقانون والمؤسسات.. إلخ ﻹيهام الشعب المغربي بصدقية الاوهام المروجة من الدائرة الرسمية.
ينكب النظام السياسي على إتباع منهجية تخليق سياسة الاستغباء والتغليط، عبر مؤسسات تم تكليفها بإنتاج الغباء السياسي نوجز طريقة إشتغالها فيما يلي :
_ التركيز على تغليب المفاهيم المعلقة، المهللة للنظام الديمقراطي، على حساب تشديد الخناق على الشعب الذي تم تجريده من أي صفة تشاركية مساهمة في خلق القرار السياسي، ورسم سياسات الدولة ، إذ يتم التعامل مع شروط الحكم الديمقراطي ببديهية كأنه معطى طبيعيا متوفرا بالأساس، بدل فتح نقاش موسع يضم جميع الاطراف، التي تستلزمها العملية السياسية الديمقراطية التي تستمد السلطة من الارادة الشعبية، وليس بتنزيل قرارات فوقية جاهزة، يلوكها الشارع السياسي دون نقاش أو إبداء موافقة مبدئية عليها .
_ تأثيث المشهد السياسي، بكائنات مختلفة لتكريس الاحادية و التحكمية، بتقييدها استباقيا بشروط الرضوخ و الولائية ، هدفها خلق جو ديمقراطي مفبرك، يكرس الارادة العليا للهرم السياسي، وتكريس إلحاق الشعب بالقرارات، من زاوية المتبوع و ليس من زاوية الاصل و المنبع العملية السياسية.
_ خلق أحزاب سياسية في دهاليز المطبخ السياسي، لتشييع فكرة الغنى التشاركي في المشهد السياسي، ولكن هذه الأحزاب لا تعدو أن تكون دكاكين سياسية تبيع الوهم، وتقوم بمهمة الخداع، من خلال تصارع مغلوط بينها للذود عن “مصلحة الشعب” بعد خلق تمثيليات فولكلورية تتناطح على الغنيمة السياسية، وتجهض حلم شعب يتوق للانعتاق من الاحادية المخزنية .
إن أهداف الاحزاب كلها تلتقي في تطبيق الأوامر الفوقية بحذافيرها، و”برامجها” السياسية ماهي إلا نصوص عقيمة مفرغة المضامين بسبب تغييب ممنهج ﻷي وعي شعبي جماعي يميز بين الاهداف و العلل ، و إن إختلاف البرامج الحزبية ما هو إلا نهج مدروس لتجميع الاصوات الإنتخابية، لضمان سيرورة المنهج التحكمي السائد.
_ تعليب النصوص الدستورية بثغرات مبهمة، تضمن تحكم الهرم السياسي، في رسم معالم السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، إذ لا جدوى من تنزيل دستور إستُصدر خارج الشروط التي تستلزمها الدساتير الديمقراطية.
_ خلق حكومة منبثقة عن إرادة عليا، تتكفل بتحمل مسؤولية الاخفاقات السياسية التي ترسم خارج قواعد المؤسسة الحكومية، شريطة إشراك الاطياف المكونة لها في الاستفادة من الريع و الفساد المتفشيين..
_ خلق معارضة توهم الشعب بتواجد قوى سياسية تذود عن مصالح الشعب العليا لكنها (المعارضة ) لا تسعى إلا لتزييف الوقائع و تغليط السواد الأعظم من الشعب، بعد انكشاف مراميها الحقيقية، بمشاركات قوى المعارضة المفبركة في التسيير الحكومي، وفق تحالفات مع من تتهمهم بالفساد في مقارعات مسرحية داخل  دهاليز القبة التشريعية .
_ تحكم المخزن في الحركة الاحتجاجية، وسعيه ﻹحتوائها بعد تكبيل سقفها المطلبي، و إخضاعه بالاكراه، للاقتصار على المطالب الثانوية، دون المس بالسقف الهرمي في مطالبها ، إذ لا جدوى من حركة احتجاجية تقتصر على جرد التطلعات دون الاشارة للمسؤول الحقيقي عن الوضع الآني المعاش ، و لتفادي انتشار ثقافة الاحتجاج، يقوم المخزن بصنع حركة بلطجية تشوش على النقاش السياسي و تسعى لبعثرة الاوراق وتشويه الحراك الاحتجاجي .
_ تسخير الاعلام الرسمي لنقل صورة مغلوطة عن الأوضاع المتدهورة، وتزييف الحقائق عبر التركيز على طفرة تنموية موهومة ، بل و تعدى الامر الى خلق المخزن لقناته الخاصة في الاعلام الالكتروني، تقوم بتسفيه تراكم الحراك الاحتجاجي لتضفي عليه طابع الدونية، عبر تأجير مياومين إعلاميين مهمتهم التركيز على حشد كبت المراهقين، لتجميعهم في قطيع مستلب لا يميز بين الاولويات الراهنية الجماعية، وبين الثانويات الكمالية التي تختلف درجة اهميتها من فرد ﻵخر ._ تسخير منظومة تربوية تكرس ذهنية التبعية لدى المتعلم، بتغييب مسوغات الأدوات التحليلية، وفق ميثاق تعليمي يعمق تكريس الدونية الابداعية والابتكارية بنهج دوغمائي، يقوم على التعريب، وغرس الولاء السلطوي للنظام لدى المتعلمين، قائم على أستاذية المخزن وحضور إيديولوجيته السياسية في عمق المنظومة التربوية .
_ تكريس التصارع الايديولوجي في نقاشات نخبة الانتليجنسيا، فعوض إنكبات النخبة المثقفة وتركيزها لإيجاد أجوبة دقيقة وشافية لأسئلة عالقة، تولي لإنتماءها الإيديولوجي الأهمية، على حساب تبني الهم الشعبي المشترك، وهذا ما يفزر تطاحنات بين اطياف نخبوية، تعمق تغييب تحقيق التطلعات الشعبية للقطع مع الفساد السياسي المتفشي .
_ إستغلال المخزن للورقة الدينية، التي تضمن له سهولة تجييش المشاعر، بإستغلال الدين ﻷغراض سياسية، تحصن شرعية المخزن القائمة على النسب الشريف، وإحتكار السلطة الدينية ﻹستخدامها كورقة حاسمة في النقاشات التواقة ﻹحلال علمنة الدولة، و لهذا يقوم المخزن بخلق تكتلات دينية تتصارع ﻹضعاف بعضها البعض، لتنزع في الاخير الى الرضوخ لتحكيم المجلس الاعلى التي يبتلع كل الاطياف المتأسلمة، ﻹبقاء المؤسسة الملكية أعلى سقف مختص في الشأن الديني، بإستغلال جانب دعوي لأجنحة متحكم فيها، تستغل المساجد والتجمعات العامة للترويج لإيديولوجية الدولة .
- خلق صراعات بين الاطياف السياسية، لتمويه الشعب بضرورة التحكيم الملكي الذي يبدو للناس حافظا للدولة من الفتن .إن جمع هذه المتناقضات في بوثقة الخريطة السياسية، أنتج ذهنية شعبية ضالة، معاقة الذات المفكرة، ترى في النظام السياسي معطى قدريا، غير قابل للزحزحة نتيجة تكريس التغابي الممنهج، في مسوغاتها التفكيرية، مما يجعل الشعب يتعامل بصدقية قصوى تجاه كل ما يصدر عن المؤسسة السياسية المخزنية، ولا يولي أدنى إهتمام للمساطر المنطقية، التي تستوجبها الممارسة السياسية ، إذ أن تسييد ثقافة القطيع، هو الضامن الأوحد لنجاح المخزن في تحكمه في النسق السياسي، الذي يعتبر القرارات الفوقية شأنا ربانيا إطلاقي الحيثيات، ولا يمكن إشراك اي طرف في مزاحمته فيما يخص رسم معالم سياسات الدولة.إن تجميع النظام المخزني للمتناقضات وتعليبها في نهج عملي سائد في العملية السياسية، أنتج تعميم الغباء السياسي على مستوى الفكر الجماعي الشعبي، لتوطيد الأحادية في التحكم بالنسق السياسي من جهة، وضمان تغييب صوت الشعب، من جهة أخرى، من تبوؤ مكانة أساسية في رسم معالم مؤسسات الدولة الديمقراطية.ومن العبث الحديث عن أركان دولة ديمقراطية، في خضم الأوليغارشية السائدة على النسق السياسي المغربي ، و إن أول خطوة مستلزمة للإنتقال للتنظير للدولة الديمقراطية، يستوجب القطع مع مؤسسات “صنع الغباء” التي تشتغل وفق ميكانيزمات دقيقة تلتقي في الهدف الأسمى للمخزن، وهو تغيير الشكل الظاهري للدولة، كي لا يتغير النسق المضمر الأحادي، الذي يضمن للمخزن إستمراريته، دون تقديم تنازلات لأي وافد سياسي يختلف مع النهج القائم، وللمخزن إستمراريته الوجودية.وإن ووعي الشعب وتكسيره لهاجس الصمت عبر العزم على التخلص من “مضغ” الغباء يشكل خطرا على التواجد الإستراتيجي للنظام كما يريده المتحكم في الشأن السياسي
.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع