المقالات

الأمازيغ و” تيكركاس” ليبيا وتونس

 

 

 

رشيد الحاحي
وصف المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا يوم انتخاب لجنة 58 أي هيئة الدستور الذي جرى يوم 20 فبراير الجاري ب”أس ن تكركاس” أي يوم الكذب. كما كان دستور تونس ما بعد الثورة كاذبا بالنسبة للأمازيغ في وعده بالديمقراطية ونسيم الربيع!
فكيف يمكن تفسير هذا الإخفاق الديمقراطي والدستوري الذي طبع ويطبع مسار تحول البلدين وخروجهما من مرحلة الاستبداد السياسي، خاصة على مستوى الخيارات الهوياتية والثقافية واللغوية؟ أليست مطالب الأمازيغ وضرورة دسترة واقع التعدد والتنوع الذي يعرفه ويعيشه البلدان جزء أساسي من المشروع الديمقراطي والمتن الحقوقي الذي يجب أن يتبلور في مضمون وشكل التعاقد الدستوري؟
فبإقصاء أمازيغ ليبيا من المعادلات والقرارات والتدابير السياسية لما بعد الثورة التي شاركوا فيها بقوة من أجل إسقاط النظام الاستبدادي للقذافي، وبتكريس الدستور التونسي للخيار الهوياتي القومي والأحادي للدولة ورفض الإقرار بواقع التعدد وبالحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية، تكون الدولتان المغاربيتان اللتان أطلقتا شرارة الانتفاضات وحلم الشعوب في إقرار مصيرها وولوج حياة الديمقراطية وحقوق الإنسان قد انتصرتا للجمود القومي والتصلب الإيديولوجي، وأضاعتا على هذا المستوى موعدهما مع التاريخ.
فحتى إذا قفزنا تجاوزا على الانتماء التاريخي والحضاري لشمال إفريقيا والمكانة الكبيرة التي حظيت بها كل من ليبيا وتونس في مراحل بارزة من هذا التاريخ باعتبارهما في عمق بلاد نوميديا، وكما تدل على ذلك دلالات وألأصل الاتيمولوجي لإسميهما، فالمواطنون الليبيون الأمازيغ أو على الأقل الناطقون بالأمازيغية يمثلون اليوم قرابة تلت سكان ليبيا، ويمتد مجال وجودهم الترابي والاجتماعي عبر مناطق نفوسة وزوارة والزنتان وغدامس…، وقد كان حضورهم وإسهامهم قويا خلال معارك إسقاط النظام السابق. وفي تونس فالعديد من المناطق لا تزال تحافظ على أمازيغيتها رغم عشرات سنوات الإقصاء والمنع ومنها جربة وقفصة ونفزاوة ومطماطة وورغة …وقد استطاع أمازيغ تونس بدورهم أن يعبروا عن وجودهم خلال حراك الثورة والنقاش السياسي والدستوري عبر جمعياتهم ونضالاتهم، كما كانوا يترقبون أن يشمل التغيير الديمقراطي وتأسيس تونس الجديدة ودستورها مطالبهم وأن يقر بالأمازيغية على مستوى الخيارات الهوياتية والثقافية واللغوية لدولة تونس الجديدة.
فمهما كانت أهمية مضامين دستور تونس عل المستوى الديمقراطي والمدني والسياسي والحقوقي، وروح التوافق التي أفضت إليه، فإنه دستور استبدادي على المستوى الهوياتي والثقافي واللغوي كما يؤكد ذلك إقصاء الأمازيغية والوجود الأمازيغي من منطوقه ومقتضياته، وكما تدل على ذلك بشكل جلي عبارات بعض الفصول: “وتوثيقا لانتمائنا الثقافي والحضاري للأمة العربية والإسلامية”، و”الجمهورية التونسية جزء من المغرب العربي”، وخاصة الفصل التاسع والثلاثون الذي أكد على أن الدولة التونسية “تعمل على تأصيل الناشئة في هويتها العربية الإسلامية وانتمائها الوطني وعلى ترسيخ اللغة العربية ودعمها وتعميم استخدامها والانفتاح على اللغات الأجنبية”، هذا دون أدنى إشارة إلى الأمازيغية!
أما في ليبيا فإقصاء الأمازيغ من تمثيلية وانتخاب اللجنة التأسيسية، ومقاطعتهم لها، يؤكد بأن دستور ليبيا المنتظر لن يكن أفضل في شأن الإقرار ودسترة الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية. كما أن البيان الذي أصدره أمازيغ ليبيا خلال هذه الانتخابات التي وسموها ب”تكركاس” أي الكذب، يؤكد بأن التحول الديمقراطي لا يزال بعيدا في هذه البلاد والشهور الأخيرة ستحمل تطورات جديدة، كما يتضح من تأكيد البيان على “أن هذا اليوم الأسود سيكون بداية صدع سياسي واجتماعي، وبأنه سيكون نقطة تحول في آليات العمل السياسي الأمازيغي، حيث أن إعلان الرفض الواضح للأمازيغ كشريك حقيقي أو جزء أساسي من أجزاء الوطن، سيفرض علينا البدء في معاملة الآخر بالمثل”، وأن ” جميع الخيارات مطروحة أمامنا، ففي حال استمرار الرفض والقمع السياسي فإننا سنستعمل حقنا الذي تضمنه جميع الشرائع في تقرير مصيرنا السياسي…”.
فالتفسير الأرجح لهذا الإخفاق وعدم تقدير الوجود والمطلبين الأمازيغين في هذين البلدين، هو هيمنة مكونات الحركة الإسلامية من جهة، واليسار القومي من جهة أخرى، على الحياة السياسية وموازين القوى المنظمة قبل وبعد الثورات، وذلك انطلاقا من امتداداتهم الإقليمية والدولية ومن حضورهم الحركي وحظوظهم داخل بنيات المجتمع وتشكل وصراع الإيديولوجيات والخطابات داخله، وتعطشهم إلى ممارسة وتنفيذ خياراتهم الإيديولوجية التي لم يستطيعوا التعبير عنها خلال حكم الأنظمة السابقة، إضافة إلى كون إيديولوجية التأحيد والتجانس والانتماء القومي وإقصاء الأمازيغية هي المشترك الأكبر بين هذه التنظيمات والحركات، مما سهل تواطؤها السياسي على استمرارها في إقصاء الأمازيغ والأمازيغية في دستور ما بعد ثورة الربيع الذابل.
أما الصحوة الأمازيغية في هذين البلدين فلا تزال على المستوى الثقافي والمدني والوعي بامتدادها التاريخي ووضعها الإقصائي والدوني، في بداياتها، ولا شك أن تناميها وتطور خطابها ومطالبها المشروعة وتطلعها إلى مستويات أخرى من العمل والتنظيم خاصة في خضم استمرار واقع الإقصاء الثقافي والسياسي والدستوري، سيمثل محكا حقيقيا للتحول والممارسة الديمقراطية في ليبيا وتونس، كما سيبقى الملف الأمازيغي في هذين البلدين، في مختلف أبعاده وتطوراته، من أكبر بؤر التوتر وإخفاقات التغيير المرشحة للتصعيد واحتلال واجهة الأحداث والتطورات خلال الشهور والسنوات القادمة.
وفي انتظار تطورات الوضع الديمقراطي في الجزائر وكيفية تدبيرها للملف الأمازيغي، وتتبعا لاحتفاء حكومات بلدان المغرب الكبير بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس “اتحاد المغرب العربي” الموءود، لا يسعنا إل أن نهنئ ونواسي في نفس ألآن شعوب هذه البلدان على نضالاتها وأحلامها ومنجزاتها وانتكاساتها، وكل عام والديمقراطية والأمازيغية بخير
.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع