المقالات

تفيناغ أصلح لكتابة اللغة العربية من الحرف الآرامي

 

فريد المساوي

إن تحديد و تعيين الأبجدية المناسبة لكتابة لغة معينة هي عملية اختيار مبنية على مجموعة من الأسس منها ما هو علمي و تقني مثل معيار الأصلح تقنيا للغة التي نود كتابتها حسب عدد أحرف الأبجدية و ما فيها من صوامت و صوائت و تنوع الحروف من انفجارية و مهموسة و غيرها ، و مدى استجابتها للرسم السليم للغة دون مساس أو تحريف . و من المعايير التي قد تؤخذ بعين الاعتبار أيضا المعايير الإيديولوجية أو التاريخية كتبني أبجدية للتعبير عن الارتباط بنسق ثقافي معين أو لارتباطها التاريخي و الهوياتي باللغة ، و كذلك من المعايير تلك المرتبطة باعتبارات دينية ، أي تفضيل أبجدية معينة لارتباطها بلغة أو ثقافة مرتبطة بدين معين .

بالنسبة للمغرب ، فإلى عهد قريب كان المشهد اللغوي و الأبجدي يتسم بالأحادية حسب الاختيارات الإستراتيجية للحركة الوطنية و الأحزاب المنبثقة منها ، فقد كانت اللغة العربية و الحرف الآرامي الذي تكتب به هما يشكلان اللغة الوحيدة التي تحظى بالاهتمام المؤسساتي و الرسمي إضافة إلى اللغة الفرنسية ، أما اللغات الوطنية و الشعبية لغات التواصل اليومي للمغاربة و هما الأمازيغية و الدارجة فقد ظلتا ذات طابع شفوي و لم تستفدا من أي تطوير أو تنميط ، و لكن مند السبعينيات من القرن الماضي بدأ يتبلور خطاب مطلبي يروم الدفاع عن الأمازيغية على الخصوص و المنظومة الثقافية المرتبطة بها ، و قد ووجه هذا المد أولا بالتجاهل ثم بالتضييق و القمع و التخوين و الشيطنة ، لكن المد الثقافي الأمازيغي في تطور مطرد كما و كيفا إلى أواخر التسعينيات و دخول القرن الحالي و مع مجموعة من المتغيرات السياسية التي أدت إلى الإعلان عن تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية و الإعلان عن وجود نية الرسمية لإنصاف الأمازيغية و إدماجها في المؤسسات ، و هذا يعني بالضرورة الانتقال الأمازيغية من الطابع الشفوي إلى الكتابة و التدوين ، و هنا سيظهر نقاش حاد حول الحرف الذي ستكتب به الأمازيغية وصل أحيانا إلى حد التراشق اللفظي و تبادل الاتهامات ، و هو ما اصطلح عليه في حينه بمعركة الحرف .

إن معركة الحرف كانت بين تيارين أساسيين ، تيار يرى أن الأمازيغية يجب أن تكتب بالحرف اللاتيني لكونه حرفا كونيا و سيوفر لنا الكثير من التسهيلات على المستوى التقني و المعلوماتي و لتراكم تجارب مهمة في كتابة النصوص الأمازيغية بها ابتدءا من النصوص المدونة من طرف المستشرقين إلى تجربة الكتاب الأمازيغيين بالمغرب و الجزائر و أوربا ... و تيار آخر يرى أن الأمازيغية لابد أن تكتب بالحرف العربي انسجاما مع انتماء المغرب إلى المنظومة الثقافية العربية الإسلامية ، و كذلك لوجود إرث أمازيغي مكتوب بالحرف العربي مند العصور الوسطى ، و لكن حقيقة يعرفها المتتبعين و المهتمين بالقضية وهي أن متزعمي هذا الطرح لم يكونوا يوما من المحسوبين على الحركة الأمازيغية أو المهتمين بها ، بل أغلبهم كان قبل تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية من أشد المعارضين للقضية الأمازيغية و المنتقدين لمناضليها ، و رغم أن المعركة كانت بين هذين التيارين فقد كان هناك تيار ثالث يرى أنه لا يمكن الحديث عن كتابة اللغة الأمازيغية بغير حروفها و أن المعركة الدائرة هي معركة هامشية .

في خضم المعركة اجتمعت حوالي ستة و عشرون جمعية أمازيغية و مجموعة من الفعاليات بمكناس من أجل تدارس الوضعية و إصدار موقف موحد في قضية كتابة و تنميط اللغة الأمازيغية و خاصة ما يتعلق بالأبجدية فأصدرت بيان مكناس الذي جاء للدفاع عن الكتابة بالحرف اللاتيني ، و لكن في ظرفية وجيزة أصدرت حوالي سبعين جمعية لم تكن معروفة من قبل بيانا مضادا يدافع عن الكتابة بالحرف الآرامي ، أي أن هذه الجمعيات تأسست في تلك اللحظة و لهذا الغرض ، بالنسبة للجهات الرسمية و المسؤولة بالمغرب فالحلول في مثل هذه الحالات تكون وسطية ، و تقارب المسألة مقاربة أمنية ، و كان الحل الوسط هو ترسيم حرف تفيناغ ، لأن المعركة كانت بين دعاة الحرفين اللاتيني و الآرامي ، و كان من تعليلات التيارين معا أن الحرف الذي يريده الخصم غريب و لا يرتبط بالأمازيغية ، أي أن حساسية دعاة الحرف الآرامي تجاه تفيناغ أقل من حقدهم على الحرف اللاتيني كما أن دعاة الحرف اللاتيني قد يتقبلون حرف تفيناغ و لكن لن يقبلوا بالتأكيد على الحرف الآرامي ، كما أن حرف تفيناغ سيسجل ارتياحا لدى الكثيرين من المشتغلين في مجال الثقافة الأمازيغية و الذين كان اختيارهم على تفيناغ أصلا كما أشرنا أعلاه . إذن هكذا تم حسم المعركة بإعلان ترسيم حرف تفيناغ ، و كيفما كان الحال فقد أسكت هذا القرار الأصوات ، و غير حتى النقاش حول الأمازيغية إلى مستويات أخرى ككيفية الإدماج في التعليم ، معيرة اللغة و غير ذلك ، كما انكبت هياكل و مؤسسات ليركام على العمل على ضبط و تنميط حرف تفيناغ ، فأدخلت بعض التغييرات على تشكيلة تفيناغ التي كانت معروفة لدى الصحافة و الجمعيات و النشطاء الأمازيغ و هي التشكيلة التي كان قم تم تنميطها من طرف الأكاديمية البربرية بباريس ، فحذفت بعض الحروف بدعوى الاكتفاء بأخرى قريبة منها ، و أن وجودها يعتبر كنوع من التكرار ، و أن مجال تداولها في الأمازيغية جهويا فقط ، و أنها في جهات أجرى تكون منطوقة بأحرف أخرى في نفس الكلمة ، و قد أحدث هذا ضجة في البداية و لقي بعض الاعتراض و لكن سرعان ما سكتت الأصوات المعارضة مع حملات الإقناع بأن ذلك مرتبط بالضرورة بقضية المعيرة .

استطاع المعهد أن يحسن استعمال حرف تفيناغ و ينمطه ، فقد أدمج في النظام المعلوماتي ، و ألفت به الكثير من الكتب منها الكتب المدرسية لمادة اللغة الأمازيغية ، كما حظي بالاعتراف الدولي ... و بعد مضي أكثر من عشر سنوات و في عهد حكومة بنكيران بدأت تظهر من جديد أصوات تدعو إلى إعادة النظر في قضية حرف كتابة الأمازيغية ، خاصة من طرف أناس من حزب العدالة و التنمية أما حزب الاستقلال فقد طرح إمكانية كتابتها بالحرفين معا ، و اعتبارا للتوجه العام لهؤلاء يتضح أنهم هم نفسهم الذين كانوا يخوضون معركة الحرف لصالح الحرف الآرامي ، و دوافعهم تنطلق من اعتبار هذا الحرف يحظى بنوع من القدسية المستمدة من ارتباطه باللغة العربية لغة القرآن ، و لكن هذا الأمر الذي ترسخ عبر الأجيال مبني على معتقدات خاطئة ، ذلك أن القرآن لما نزل نزل شفويا ، و إن كتب القرآن بنفس اللغة التي نزل بها لكن بأبجدية أخرى لن يمس ذلك من قدسيته ، كما لن تتغير لغته أيضا ، بل ستبقى لغة عربية فصحى ، و الواقع أن هذا الحرف في أصوله الأولى ليس حرفا عربيا بل آراميا مرتبطا باللغة السريانية قبل أن يتبناه العرب في كتابة لغتهم ، و لهذه الأبجدية عدة عيوب لا نجدها في الأبجديات الأخرى ، و لعل أبرز هذه العيوب ما يتعلق بوجود نوعين من الصوائت حيث منها صوائت خفيفة و قصيرة تعبر عنها الحركات و غيابها يشكل عائقا لمتعلمي اللغة العربية المبتدئين لقراءة النص قراءة سليمة و هذا يستدعي بالضرورة أن تكون النصوص مشكولة ، و النوع الثاني من الصوائت هي صوائت طويلة تعبر عنها حروف المد . و إن كان البعض قد يرى هذا عاديا و ضروريا نظرا لوجود فرق في اللغة العربية بين هذين النوعين من الصوائت فإنها تعتبر في الواقع مشكلة كبرى لأن عدد كبير من الصوائت لا ترسم ، كما قد يجعل بعض العبارات و الجمل يمكن أن تقرأ قراءتين مختلفتين مثل ( بنت سعاد مدرسة ) يمكن أن نفهم منها " ابنة سعاد معلمة " أو " شيدت سعاد مؤسسة تعليمية " و لكن الكتابة هي نفسها تماما مع اختلاف منطوق الحالتين ، في حين إذا كتبنا اللغة العربية بأبجدية أخرى ترسم فيها جميع أنواع الصوامت و الصوائت مثل حروف تفيناغ سنتفادى هذا المشكل ، و سيصبح المتعلم بمجرد معرفته للحروف و هي مسألة تتطلب بضعة أيام يقرأ أي نص عربي قراءة سليمة حتى و إن لم يفهم معناه ، كما يساعده ذلك على تعلم أفضل و أسرع .

و للإشارة فأبجدية تفيناغ ليست أبجدية غريبة أو أجنبية بل هي جزء من الموروث الحضاري للمغرب و لشمال إفريقيا عامة ، و يستحق أن يكون رمزا هوياتيا لهذه البلاد ، و للمغرب أن يفتخر أنه كان السباق إلى الاعتراف بهذه الأبجدية و التعريف بها و الاهتمام بها و تقديمها للعالم لتضاف إلى لائحة الأبجديات المعترف بها عالميا ، و يبقى للمغرب شيء مهم من المفيد جدا أن يتجه إليه ألا وهو العمل من أجل التمهيد و التهييء لكتابة اللغات الوطنية ( الأمازيغية و العربية و الدارجة ) كلها بحروف تفيناغ بشكل رسمي لأنها أصلح من الحرف الآرامي و من غيره ليس للأمازيغية فقط بل لهذه اللغات جميعا ، آنذاك سيصبح هذا الحرف المرتبط بهذه الأرض حق الارتباط إذ يوجد منقوشا في الكثير من الصخور و الجبال و الكهوف مند آلاف السنين و في مختلف ربوع شمال إفريقيا رمزا وطنيا يميز الهوية و الحضارة الوطنية ، و هذا بالتأكيد سيساهم في إصلاح مستوى التعليم في المغرب و الرقي به إلى مستويات أفضل ، فقد جربت كتابة اللغة العربية بحروف تفيناغ ، و أتمنى أن يجربها أي مغربي ، فاكتشفت أن الكثير من المشاكل التي تعيق تعلم هذه اللغة ترتبط بالحرف ، إنني أعرف أناس من مستويات تعليمية محترمة لا زالوا يرتكبون أخطاء كتابية في اللغة العربية ، أما أولئك الذين انقطعوا عن التعليم من المستويات الوسطى ( إعدادي ، تأهيلي ) فالكثير منهم قلما يستطيع كتابة جملة مفيدة سليمة من الأخطاء الإملائية ، أما قضية التشبث بالحرف لأنه يجعلنا مرتبطين بالفضاء العربي الإسلامي فهذا لا أراه منطقيا تماما ، لأنه حتى إن وجب ارتباط المغرب بهذا المجال فليس ما يربطه به هو الحرف بالضرورة ، بل بأشياء أخرى كوحدة الدين و المصير المشترك ، إذن فالمطلوب في المغرب ليس كتابة الأمازيغية بالحرف الآرامي بل كتابة الأمازيغية و الدارجة و العربية بحروف تفيناغ ، و أتمنى أن يقوم المعنيون بالأمر بخطوات تجريبية و سيرون النتيجة .

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

التعليقات   

 
0 #2 je suis ce que je su 2014-02-21 17:47
Tous ceux qui sont contre l’amazigh, soit des traitres, malhonnête, ignorants et des imbéciles, doivent passer en justice pour racisme. La langue du futur est l’Amazigh avec tifinagh, une ligne droite, sans points ni accent ni apostrophe etc. Anglais a le Majuscule et minuscule, mots court : come (4) = venir (5). Le Français a le Majuscule et minuscule, les points et les accents. L’Arabe compliqué, a beaucoup d’accent, des points, le haut et le bas,
ا ـــا اـــ * ب ـــب ـــبـــ بــــ * ت ـــت تـــ ـــتـــ ة * ش ـــش ـــشـــ شـــ * و وا ـــو وـــ ؤ *
(ACHAKLE) etc.
رسالة لكل من يستحيي من لهجته المغربية ويتباهى بالحديث باللهجة الفرنسية وغيرها
http://www.youtube.com/watch?v=fNkJGZejhMQ
اقتباس
 
 
0 #1 علي 2014-02-20 21:16
العربية بهدا الحرف خلقت صعوبات لتعلمها . حيث لاتقراها صحيحة حتى تفهم .اي القراءة بعد الفهم وهدا يتناقض مع طرق تعلم اللغات.لدلك نسمع قنوات تلفزية وكلمات تكتب بنفس الكتابة لكنها مختلفة في القراءة!!!!!!!؟ ؟؟ الحلبة . القنابل المسيلة للدموع.......
اقتباس
 

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع