المقالات

الخطاب الأمازيغي بين التمييع والاحتواء

 

 

عماد لبوز

للحركة الأمازيغية بمختلف إطاراتها (الحركة الثقافية الأمازيغية بالجامعة، الجمعيات المدنية) تراكم نضالي وفكري جد مهم ساهم بشكل كبير في زعزعة مخططات النظام المخزني المغربي من أجل إقبار الهوية الأمازيغية وتقزيمها في ما هو قبلي (ريفي، سوسي، شلحي) لخلق صراع بين شعب واحد قدم العديد من التضحيات والشهداء في سبيل التحرر من براثين الأنظمة العروبية والأجنبية، كما قدم العديد من الضحايا في سبيل العيش الكريم والحرية والمساواة، ومن أجل الحد والقطيعة مع الوصاية باسم الدين (مواجهة مختلف تيارات الإسلام السياسي) تحت غطاء التعريب الذي جرثم معظم الفئات المجتمعية وأصبح الإسلام مقرونا بالعروبة، فأصبحوا يتغنون بأن كل من هو عربي فهو مسلم، ومن ليس بعربي فهو جاحد على الإسلام وعدوه ووجب محاربته والجهاد من أجل تعريبه أو إقصائه. كما فعلوا ضد اليهود الأمازيغ عندما أبوا اعتناق الاسلام وتم تهجيرهم إلى إسرائيل وغيرها من الدول حتى يشكلوا أقلية لن تستطيع فرض هويتها الأمازيغية الحقيقية.

لظهور الحركة الأمازيغية في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات دور كبير في المساهمة في توعية الشعب المغربي بمختلف المؤامرات التي تحاك ضده من طرف كل من النظام المخزني، وأبواقه المتجلية في الدكاكين السياسية، وكذا مختلف أطياف و تلاوين ''الحركات'' المتأسلمة بالمغرب، فأصبحت هذه الحركة في وسط دائرة محاطة بعدة خناجر تحاول ومازالت تحاول طعنها وتجثيثها، عبر العديد من الخطط المفرملة، وعبر العديد من الإشاعات التي روجت ضدها حتى تلقى الرفض من طرف فئات المجتمع وتسوء سمعتها حتى لا يكون تأثيرها إيجابي و فعال، من قبيل حركة تكفيرية تريد إفساد المجتمع ودعوتها إلى التعري وإلى اللأخلاقية...الخ، لكن خطاب الحركة الأمازيغية بالموازاة مع ظهور الحركة الثقافية الأمازيغية بالجامعة، وتنامي الوعي في صفوف الطلاب، وتأطيرها للطلاب عبر الأيام الإشعاعية والحلقيات اليومية، ساهم في دينامية الحركة و في بلورة خطاب إنساني كوني نابع من رحم وذات المجتمع المغربي، حال دون نجاح مخططات هذا المخزن، رغم تسخيره الدائم لشبيبات الدكاكين السياسية لجرها إلى مستنقع ودوامة العنف اللامتناهي، و رغم التضحيات التي مازال يقدمها معتقلينا السياسيين كل من حميد أعضوش ومصطفى أسايا في سجون الذل والعار، فإن دور الحركة يعيش ذروته و ينتشر بشكل كبير في صفوف الفئات الطلابية، لأن خطابها، خطاب نابع من عصارة الفكر البشري وكل من أنتجته البشرية من أجل مصلحة و خدمة البشرية، خطاب يستهدف العقل عكس المكونات الأخرى التي تؤمن بأنا و من بعدي الطوفان الذي ينبني على الوازع الديني، وعلى إديولوجيات وأفكار لا تمت بصلة إلى الذات المغربية.

تعتبر الحركة الأمازيغية امتداد موضوعيا لكل من حركة المقاومة المسلحة وكذا حركة جيش التحرير المغربيتين، اللتان اختارتا في فترة معينة حمل السلاح والتسلح من أجل مواجهة الغازي الأجنبي وكذا تواطؤات (((الحركة الوطنية))) للحد من المقاومة المسلحة، وقد نجحتا -الحركتين- بشكل كبير في قهر المستعمر، و أصبحتا أيضا مرجعا للعديد من المدارس الحربية العالمية، خاصة خطة حرب العصابات التي وظفها الشهيد محمد ابن عبد الكريم الخطابي الملقب في أدبيات ايمازيغن بمولاي موحند-، وما معركة أنوال الشهيرة لخير دليل على مدى استطاعة المقاومين المغاربة على إلحاق هزيمة تاريخية في صفوف الجيش الإسباني.

إن الحديث عن الخطاب الأمازيغي بالمغرب، هو حديث عن خطاب يتسم بمراعاة الخصوصية المغربية، و يهدف إلى الدفاع وحماية هذه الخصوصية المرتبطة بالهوية والثقافة واللغة والشعب، ضدا على مخططات الاستلاب الهوياتي ومحاولة تكوين شعب بدون هوية، والاستلاب الفكري، عبر إهمال أشباه "المفكرين المغاربة" لتاريخ الشعب الأمازيغي ذو الحضارة العريقة بشمال إفريقيا، بالإظافة إلى الاستلاب اللغوي المتجلي في إعطاء أولوية للغة الغزاة العرب (العربية) ولغة الغازي الذي اغتصب / يغتصب (نتيجة المعاهدات التي وقعها المغرب آنذاك) الثروات الطبيعية والبشرية للمغرب (الفرنسية، الإسبانية والإنجليزية...) وتجاهل اللغة الأم المرتبطة بالأرض والشعب (الأمازيغية)، ومحاولة تقزيمها في (((قانون تنظيمي))) ضمن وثيقة دستورية ممنوحة، لاحتواء النضال الأمازيغي وخلق أمازيغية تخدم فقط مصالح هذا النظام المخزني المتشعب في مختلف مجالات الحياة حتى أصبح طابو في لا وعي الكائن المغربي لا يمكن نقاشه أو تداوله.




ككل حركة اجتماعية، فالحركة الأمازيغية نابعة أيضا من رحم المجتمع المغربي، و تعود إلى المجتمع المغربي من أجل المشاركة في اتخاذ المواقف والخطوات، سطرت العديد من المطالب الاجتماعية وأعطت مواقف سياسية جد جريئة من كل من النظام المخزني وكذا دكاكينه السياسية (((الأحزاب))) مما جعل هذا النظام المخزني بتحالف مع هذه الأذيال السياسية، و يسعون بشتى الوسائل والآليات إلى اجتثاثها وتشويه سمعة مناضليها وفعاليتها، وكذا قمع مجموعة من التظاهرات ومجموعة من الندوات للفاعلين والمفكرين و اللسانيين الأمازيغيين، بالإظافة إلى المحاولة الدائمة إلى جر تنظيم الحركة الثقافية الأمازيغية إلى مستنقع العنف عبر تسخيره لأذيال شبيبات اليسار التقدمي و شبيبات الأصالة المعاصرة والتخريب (((التجديد))) الطلابي، وجر الحركة الطلابية إلى الهاوية باستغلال القصور الفكري والسياسي لدى الطالب الجامعي، وتمويههم بخزعبلات مصلحة الطالب المغربي فوق كل اعتبار، لأن من يفكر في مصلحة هذا الطالب يتغاظى عن الاختلافات الاديولوجية بين المكونات ويسعى إلى توحيد صف طلابي من أجل نضال عقلاني وملتزم تتبوأ فيه خدمة ومصلحة الطالب المغربي المكانة العليا.

رغم الزخم النضالي الذي راكمته مختلف مكونات الحركة الأمازيغية والتشعب التنظيمي للجمعيات المدنية الجد مهم في مختلف المناطق المغربية، والمبادرات اليومية لإعادة الاعتبار للهوية و اللغة الأمازيغية بالمغرب، وترسيخ ثقافة الوعي بالذات، فإن التحدي التنظيمي لدى الحركة ما زال قائما و مازال المهتمين بالشأن الأمازيغي يخوضون نقاشات يومية من أجل الحسم في تنظيم لتجميع وضم مختلف مكونات الحركة الأمازيغية وفق مطالب وأهداف مشتركة و موحدة ذات مواقف جذرية من النظام ومؤسساته.


في خضم تنامي وتيرة الوعي بالقضية الأمازيغية كقضية تخص الذات المغربية قبل الاهتمام بقضايا ربما نتضامن معها إنسانيا لا غير، و تحريف النقاشات الرئيسية إلى نقاشات وحوارات هامشية تنسينا القضايا المركزية التي يعاني منها الشعب المغربي. سارع المخزن إلى خلق حركات (وليس حركة واحدة فقط) أمازيغية موالية لسياساته و تتبنى نفس الخطاب الذي تتبناه الحركة الأمازيغية، من أجل خلق صراعات بين المناضلين الحقيقين للقضية الأمازيغية، وعدم السماح لهم بالتقدم في نقاشاتهم ومطالبهم (كما حدث في مسألة الهوية والحرف)، والأكثر من ذلك، المحاولة الدائمة لهذه الحركة المخزنية أو ما يطلق عليهم لدى إيمازيغن ب "أمازيغ السربيس" في تشتيت المبادرات الأمازيغية ذات الأهداف النبيلة، وتقزيمها في قالب يعبر عن أقلية المهتمين بالنضال الأمازيغي، وبقضايا المجتمع المغربي.

إن تبني الخطاب الأمازيغي والمرجعية الفكري التي يقوم عليها، والمبادئ الكونية التي يتأسس عليها، من طرف مجموعة من الكيانات المخزنية، يطرح تساؤل عملي حول ضرورة إعادة النظر في الخطاب الأمازيغي بالمغرب من طرف المناضلين الحقيقيين الذين آخذوا على عاتقهم هدف النضال من أجل القضية الأمازيغية، مع الأخذ بعين الاعتبار الدينامية التي يعيشها الكون، والخطابات التي يعرفها العالم اليوم، من أجل إغناء وتقوية الخطاب الأمازيغي وسد كل الأبواب أمام الساعين إلى مخزنة الحركة الأمازيغية، وإلى جرها إلى متاهات قد تكون تتناقض مع مطالبها سلفا (من دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا إلى فخ القانون التنظيمي لتفعيل دسترة الأمازيغية).

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع