المقالات

عندما يتحول انتقاد الأمازيغية من ضرورة إلى عقيدة مرضية

 

ادريس رابح

ما من شك أن النقد البناء أمر ضروري للإصلاح و أساسي للتوجه نحو المستقبل،فبإرساء ثقافته وسط المجتمع،خاصة بين النخبة الثقافية و الفكرية،تتضح معالم الرؤيا الإستراتيجية للمشاريع و البرامج التغييرية.لكن للنقد الهادف شروط و لوازم،و حدود و موانع تجعله لا يحيد عن رسالته التقويمية و التوجيهية.

يقول الفرنسيون ''النقد سهل لكن الفن صعب''،و لو حاولنا أخذ ببعض إسقاطات الدلالية للمثل لجاز لنا القول أن الإنسان و قبل أن يهرع إلى الانتقاد عليه في البداية أن يصنع و يخلق بديلا(أي فنا)،فالنقد التزام قبل أن يكون ممارسة.

لكن و على مر التاريخ،لم تسلم القضايا العادلة في كل بقاع العالم من مكر النقاد و المثبطين و المعرقلين و المشوشين،الذين لا يتوانون عن وضع العقبات أمام المشاريع الإصلاحية.غير أنه و لحسن الحظ أن التاريخ لا يحتفظ إلا ما بما ينفع الناس أما الزبد فيذهب جفاء،هكذا علمنا التاريخ أن حركيته لا تتوقف عند مكر المثبطين و المعرقلين و لو في أحلك منعرجاته،فلا أسماء لهؤلاء تخلد و لا منجزاتهم تذكر،لأنهم بكل بساطة يعيشون على هامش من يصنعون التاريخ.

فمن مثلا يذكر أسماء المشوشين على مشروع بناء و تهيئة اللغة الكاتولونية و إحياء هويتها الثقافية،و هل خلدت أسماء من وقفوا ضد بعث الحياة في فرنسية الكيبك التي كادت اللغة الإنجليزية أن تبتلعها في شرق كندا،و ماذا بقي مما كتبه و دونه الواقفون ضد النهوض باللغة الكورسيكية،و هل صمدت انتقادات معارضي مشروع تطوير اللغة الفلمنكية الذي حقق اليوم نجاحات كبيرة و  أصبح الأدب المكتوب بهذه اللغة يحصد جوائز عالمية،إنها سنة التاريخ،أن تخلد أسماء المصلحين و تندثر معالم المشوشين.

يتفنن العديد ممن ينتسبون إلى الفكر و الثقافة في انتقاد الأمازيغية و المدافعين عن الأمازيغية،ينتقدون اللغة المعيارية و حرفها تيفيناغ،ينتقدون الهوية الأمازيغية،ينتقدون التاريخ الأمازيغي،ينتقدون السنة الأمازيغية.ينتقدون كل ما له علاقة بالأمازيغية.ينتقدون من يدافع عن الأمازيغية بدعوى أنهم يستغلونها و يسيئون إليها و أنهم عملاء و صهاينة و مثيري الفتنة...،ينتقدون معيرة اللغة الأمازيغية بدعوى أنها بدعة مستحدثة،ينتقدون حرف تيفيناغ بدعوى أنه ليس بحرف أمازيغي،ينتقدون التقويم الأمازيغي بدعوى أنه من أوهام المناضلين الأمازيغ...

منتقدو الأمازيغية ليسوا على ملة واحدة،و لا تجمعهم نحلة محددة،و لا يغرفون من منبع واحد،فمنهم ناطق بالإمازيغية و منهم غير ناطق،و منهم قومي و منهم يساري و منهم أسلاموي و منهم عابر سبيل من بني جلدتنا،مشاربهم مختلفة لكن توحدهم الوجهة،ألا وهي انتقاد الأمازيغية.

كل من ينتقد الأمازيغية بين الأمس و اليوم إنما يفعل ذلك ليس لهوى يسري في عروقه أو لغيرة جامحة تدفعه،و إنما لحقد دفين أو لمصلحة يسعى للحفاظ عليها،و إلا فماذا قدمه المنتقدون للأمازيغية حتى نقتدي بهم و نجعلهم نبراسا نهتدي به إلى الصواب،ثم ما هي منجزاتهم التي حفظها التاريخ و التي يمكن أن تستكين إليها الأجيال القادمة و توفر لها المادة و المنهج القويم.

لقد بنى الكثيرون،من خلال انتقادهم الأمازيغية و المدافعين عنها،فكرهم و منهجهم،لا يزيغون عنه،رغم أنهم لم يقدموا لهذه القضية ما يعطي مصداقية لإدعاءاتهم و لم يوجدوا بديلا تطمئن إليه النفوس و تنساق إليه الأفئدة،اللهم إن كانوا يعتبرون الأمازيغية في أصلها شرا لا بد من استئصاله.

إن الأمازيغية و المدافعين عنها ليسوا مقدسين و لا منزهين،بل انتقادهم يعد ضرورة لتصحيح الهفوات و للمضي قدما،فهناك أخطاء ارتكبت و لازالت بإسم الأمازيغية و تحتاج إلى التبيان و من ثم التعديل.لكن من يحق له الانتقاد؟و كيف يجب أن يتم الانتقاد؟

هل من حق الذين يولون ظهورهم للإمازيغية و يغمزونها ليلا و نهارا أن ينتقدوا؟هل يحق يا ترى لمن لم يكتب و لو سطرا و لم يخرج في مظاهرة ووو,,,هل يحق له أن ينتقد؟هل يحق لمن يعيش أسيرا لأوهام الأمة القومية من الشرق الأوسط إلى شمال افريقيا،و هل يحق لمن يعيش مريدا لزعماء الحركات الإسلامية،هل يحق لهم أن ينتقدوا؟

من يتفحص كتابات أغلب من دأبوا على انتقاد الأمازيغية سيجد طبعا أنهم لا يتوفرون على بدائل،و لا يقدمون حلولا ناجعة،بل غرضهم فقط هو العرقلة و التشويش.و إلا كيف نتقبل نقد من كان الأمس يعارض الأمازيغية باسم الدين و اليوم يكتب ليبشرنا بأن الأمازيغية أية من ايات الله و أن النهوض بها واجب ديني.إن الأمثلة كثيرة و لا مجال لحصرها،و حسبنا أن نقول أن انتقاد الأمازيغية و المدافعين عنها يعد ضروريا و لكن للأسف هناك من أصيب بمرض اسمه عقدة الأمازيغية،فجعل من انتقاد كل ما له علاقة بالأمازيغية عقيدته و منهجه.  

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع