المقالات

هل يتجه المغرب نحو نموذج "الدولة الفاشلة"؟

حميد بوهدا

صدرت في الاونة الاخيرة عدة تقارير دولية تتناول الوضع الحقوقي و القضائي و السياسي و الاقتصادي المغربي، و كلها اجمعت على أن المغرب لم يبرح مكانه في ما يتعلق بكل هذه القضايا، بل تقهقر إلى مراتب دنيا. في هذا الاطار رصد تقرير "هيومن رايتس وواتش" عدة خروقات لحقوق الانسان بالمغرب، فانطلاقا من وضعية المعتقلين السلفيين إلى اعتقال الصحافيين و منع الاحتجاجات وصولا إلى منع الجمعيات دون إغفال وضعية القضاء، رسم التقرير صورة قاتمة عن الوضع الحقوقي بالمغرب، و أكد على أن صحة الجسم الحقوقي منهكة بضربات السلطة رغم وجود قوانين و مؤسسات يناط بها حماية هذه الحقوق، ووقف التقرير على اشكال عويص يميز الوضع القانوني بالمغرب، وهو وجود القوانين إلا أنها لا تطبق على أرض الواقع، ما يجعلها صورية و تظفي على المؤسسات طابعا مظهريا، وجدت لخدمة الواجهة الحداثية للدولة، في حين ينضبط سلوك الدولة و نخبها الاقتصادية لمنظومة قيم تعود إلى القرون الوسطى.

نفس المنوال ستسير عليه مؤسسة "هريتايدج" الأمريكية التي شخصت الوضع الاقتصادي المغربي و مدى تنافسيته، إذ سجلت المؤسسة تراجع المغرب المستمر على مستوى الحرية الاقتصادية وتلوث مناخ الاستثمار، و ضعف فعالية القضاء في فض المنازعات ذات الطبيعة التجارية و الاقتصادية، لهذا رأت هذه المؤسسة أن المغرب يستحق الرتبة 103، متراجعا عن رتبته للسنة الماضية ب 13 رتبة. أما منظمة الشفافية العالمية "ترانسبرونسي" فقد صنفت المغرب في الرتبة 91 متراجعا عن الرتبة 88 التي احتلها في السنة الماضية.


حكومة محاربة الفساد: شعار بلا روح


كان شعار الحكومة الحالية محاربة الفساد و المفسدين، وشجعها على ذلك سياق سياسي رفع فيه شعار مركزي من المحيط إلى الخليج يدعو إلى "محاربة الفساد " و"تحقيق الحريات و الكرامة للمواطن". استغل حزب العدالة و التنمية هذا الشعار نظرا لقوته المغناطسية في ذلك الوقت، وربطه بالتصويت من خلال تركيبة "صوتنا فرصتنا ضد الفساد و الاستبداد"، كأن الحزب يرسم طريقا ثالثا لمحاربة الفساد، إلا أن الحزب اغتال طموحات التحول التي رسمها شباب لا يريد إلا أن يرى دولته تدخل الى نادي الديمقراطيات.


وصل الحزب و عين أمينه العام أول رئيس لحكومة في ظل دستور يطلق عليه البعض دستور الحريات و الحكامة، دب الحماس في قلوب رجال السلطة الجدد و نشر بعضهم لوائح المستفيدين من خيرات هذا الوطن بعيدا عن معايير المنافسة، لكن سرعان ما توقفت هذه الفنتازية، و لم تتخذ أى اجراءات لمحاربة الأنشطة الريعية، وخرست الاصوات، و اطلق العنان للوعود الوردية، و إستمر مسلسل الفضح السياسي لهذا الطرف و ذاك، و تحول الوزراء إلى ظواهر صوتية مشلولة الفعل.
استمر مسلسل اهدار الزمن السياسي المغربي لمدة 9 اشهر، و في الاخير تم حل الازمة على حساب الحكامة و الشفافية و ترشيد النفقات، وأصبح المغرب يتوفر على اطول حكومة عجز المصور الرسمي عن أخد صورة تذكارية لها، مشكلتا اكبر زيادة حدثت في زمن الازمة و تحت شعار محاربة الفساد، فلم يعد المغرب يتوفر على أكبر حظيرة سيارات حكومية مقارنة بأكبر الدول و اقواها في العالم، بل اصبح يتوفر أيضا على أكبر حكومة لا توجد حتى في اكثر البلدان كثافة و شساعة في العالم كالصين و الهند.


بفعل هذه الاجراءات و الممارسات جاء المغرب في ذيل التصنيف العالمي لدى جميع المنظمات و الوكالات الدولية المهتمة بالحكامة العالمية، هذه الاجراءت هي التي نالت من سمعة المغرب، و لا شك سيكون لها ما بعدها على المستوى الاقتصادي و مكانته على الساحة الدولية.


المنظمات الدولية ام "تماسيح" متعددة الجنسيات


تميز السلوك السياسي لابن كيران تجاه المعارضة بالشراسة، لجاء فيه إلى جميع الاساليب النبيلة و غير النبيلة، أهمها التهديد بفضح ملفات اعضاء سابقون في الحكومة مع الاكتفاء بالقول دون الفعل، رغم أن الامر يتعلق بجرائم ضد الوطن، الذي قال أنه جاء لتطهيره. نفس الأمر سيقوم به ضد الصحافة، إذ قام بشيطنة الجميع، ووصف كل منتقديه بخدمة الفساد و المفسدين، أو أنهم يتحركون تحت إمرة التماسيح و العفاريت. في حين لجاءت بعض مكونات الاغلبية إلى لغة خفيفة تتحدث عن وجود اشخاص لا يروقهم نجاح التجربة الحكومية الحالية. كل هذا يمكن أن نصدق الكثير منه في دولة لا توجد بها مؤسسات حقيقة، دولة تلعب فيها لغة الاشارة أهمية كبيرة في الحقل السياسي. لكن بماذا سيصف بن كيران تقارير المنظمات الدولية و كيف سيتعامل معها وكيف سيكون تقييمه لها؟.
بعد تأسفه عن تراجع المغربي في سلم الرشوة العالمي، لا أدري كيف سيرد رئيس الحكومة على تقرير منظمة "هريتايدج" و "هيومن رايتس وواتش"، خصوصا وأنه الشخص الذي يكره أن تنتقد تجربته الحكومية، هل سيصنف ابن كيران هذه

المنظمات ضمن معسكر العفريت و التماسيح؟


إن رئيس الحكومة أبان لحد الان عن كونه التلميذ النجيب و المطبق لكل ارشادات كهنة البنك الدولي، والقادم من الايام سيحمل الكثير من المفاجآت للذين صوتوا عليها. فالحكومة، وسيرا على وصايا "لاغارد" ستتخلى عن العديد من مسؤولياتها الاجتماعية، بل و أنها لاشك ستقدم على خصخصة ما تبقى من القطاع العام، من أجل التغلب على عجز الميزانية. لكن ما يجب أن يعلمه رئيس الحكومة و غيره أن جميع الاجراءات الليبرالية التي يتخذها، لا يمكن أن تستقيم في ظل التقارير المخجلة لمنظمات الحكامة و حقوق الانسان، لأن الأمر يتعلق ب "باك" فيه ما هو اقتصادي، وهو الذي يتم تطبيقه، و ما هو ذو نسق قيمي و مؤسساتي. وأن تطبيق شق دون اخر يشبه الغرس في الصحراء، أو كما قال "ازولدو دو ريفور" في كتابه "اسطورة التنمية وقوى التدمير الخفية" إنه "في ظل عدم وجود مؤسسات ديمقراطية راسخة، من غير الممكن خلق اقتصاد حقيقي و ديمقراطي أو رأسمالية حديثة، حيث يماثل هذا شراء كمبيوتر من دون البرمجيات المطلوبة و الضرورية".


إن تحرير السوق المغربية و إنسحاب الدول في بعض القطاعات الانتاجية و التخفيف من مسؤولياتها الإجتماعية، يجب أن يرافقه اصلاح مؤسساتي حقيقي، والقضاء على الاحتكارات و فتح المجال السياسي للقوى الاخرى و اقرار نظام قضائي فعال و احترام القانون، ومنح حرية اكبر للإعلاميين. بمعنى اخر على بنكيران أن يطبق تقارير المنظمات الدولية كما يطبق نصائح البنك الدول، فوضعية المغرب في مجال الحكامة و الحريات تقترب من وضعية الدول الفاشلة رغم الخطاب الرسمي الذي لا يفوت أي مناسبة للتعبير عن ارتياح الحكومة لوضعية الدولة على جميع الأصعدة، فالإصلاحات الجدرية لا تكفي معها النيات الحسنة و نظافة اليد، بل تحتاج الى اجراءات فعالة تستهدف اماكن الخلل.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع