المقالات

الشجاعة غير التهوّر و الخوف الطبيعي غير الخوف المرضي

* أرتور شوبنهاور * ترجمة : ع الله زارو

الحياة كلُّها ، بخيراتها و مُغرياتها، لا تستحق من الحكيم أن يُبادلها بأحزان يائس وتهيُّبات جبان . فليس له، والحالة هذه، إلاّ أن يعيش عيشة الجسور القاهر للمِحن بعزم و حزم كما ينصح بذلك مثل لاتيني .
لكن لابد من التنبيه إلى أن الإفراط في الشجاعة يغدو تهوُّرا لايليق بالحكيم .لذلك ، فالخوف الغريزي و الطبيعي أمر ضروري، بل و صفة محمودة في الإنسان يُحافظ بها على وجوده و يقي نفسه من التهلكة . كذلك الجُبن هو إفراط و مبالغة في الخوف . وقد توقّف باكون دوفيراليم عند هذه المسألة الدقيقة من خلال شرحه لِما أسْماه رُعبُ الذّعرterro panicus شرحاً فاق في جودته ما قال به بلوتارك في هذه النقطة بالذات. فقد أرجع كلمة panicus إلى جذرها pan أي ما يُجسِّد الطبيعة،قبل أن يُضيف شارحا و مُدقِّقا في هذا الإتجاه ما يلي : إن الطبيعة زرعت الإحساس بالخوف والفزع في كل ما هو حيّ ليُحافظ به على الحياة و يدفع عنها المخاطر والمهالك .
غير أن الطبيعة أخفقت في وضع اليد على نقطة الإعتدال في كل أشياء هذه الحياة، ومنها الفرق بين الخوف الطبيعي و الخوف غير الطبيعي ،فَخلطت بذلك بين المخاوف الغريزية و الطبيعية من جهة ، و المخاوف المُفتعلة و التي لا مُبرّر لها ولا نفع فيها من جهة أخرى . هذا إلى الحد الذي بات فيه كل ما ينبض بالحياة ، سيما البشر، محشوّا بصنوف من الرعب تطفح ذعرا و فزعا .
و المُصابون من بينهم بلوثة الرّعب المذعور ليسوا ، في واقع الأمر، سوى العاجزين عن التمييز بين البواعث المختلفة للإحساس بالخوف . فتراهم يتخيّلونها بكل مكان و يتوهّمونها بكل موقع، فتتبدّى لهم مثيرات الخوف حيثما ولّوا وجوههم إلى الحد الذي يُبررون فيه الخوف بالخوف !
بتصرف عن "فنّ العيش الحكيم"
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع