المقالات

عودة إلى اعتذار أبوزيد وفتاوى الريسوني!

قمت مؤخراً بتصفح عديد من عروض ومداخلات وتصريحات السيد أحمد الريسوني، المنشورة والمسجلة منها أو المبتوتة على بعض شبكات الاتصال ومواقع الإنترنت، وأنا أتأمل بكل جد نوعية الخطاب الفكري والسياسي الذي يروج له الرجل ومعه بعض وجوه وخطباء ودعاة الحركة الإسلامية الذين كثيرا ما تثير آراؤهم وتصريحاتهم غير قليل من الجدل في السياق الراهن المتميز بالحراك السياسي والاجتماعي للشعوب وتوقها إلى الحرية والكرامة والديمقراطية وإسقاط الفساد والاستبداد.

لكن لن أخفي عليكم أن هذه الرغبة لم تراودني إلا بعد ذلك العرض الشهير الذي أثار خلاله السيد الريسوني، انطلاقاً من دولة قطر، موضوع الدينامكية الاجتماعية والاحتجاجية التي تميز حضور الصوت الأمازيغي في السياق الراهن، والذي قدم فيه المحاضر تقييمه الخاص لتنامي الصوت والحضور الأمازيغي في المغرب خلال السنوات الأخيرة متهما الحركة الأمازيغية بالتطرف والعنصرية والعمالة... والعمل على جر المغرب إلى التطاحن العرقي على شاكلة حروب "الهوتو والتوتسي"... وخاصة بعد خرجة الرجل الأخيرة، المجانية والمجانبة للصواب، لنصرة المقرئ أبوزيد والتي دافع خلالها بكيفية عمياء عن زلة هذا الأخير، ومورداً من بين أقوال مشينة أخرى ما يلي: "كنا نعتقد أن أصحاب المعركة الكبرى ضد نكتة أبو زيد هم أصحاب قضية، وأصحاب فكر أو فكرة، وأصحاب مشروع مشروع، فإذا بضاعتُهم ليست سوى التفاهة والوقاحة والإفلاس والهرولة إلى الحضيض"!

وعليه، وإذا ما كان أبوزيد قد عمد أخيراً لتقديم اعتذاره عن ما صدر عنه من إساءة ضد بلاده وأمازيغ سوس بشكل خاص، فإن السؤال الذي يطرح الآن يتعلق بوضعية وموقع كل الذين تعبئوا للدفاع اللا مشروط عنه. فبعد اعتذار المعني بالأمر والذي يعتبر في حد ذاته إقرارا بالغلط، أفلا يتوجب على من نزهوا المقرئ جملة وتفصيلا الاعتذار بدورهم، والسيدين الريسوني ويتيم في مقدمتهم؟

وقبل استحضار بعض أراء وفتاوى أحمد الريسوني، ونحن بصدد قصة اعتذار أبي زيد، يهمنا التوقف وإبداء بعض الملاحظات. فإذا ما كانت مبادرة الرجل بالاعتذار عن خطئه البالغ، وإن جاءت متأخرة، خطوة محمودة من حيث المبدأ، إلا أن هذه المبادرة ترافقت وتزامنت مع عدد من الإشارات المعاكسة. فالاعتذار الفعلي عن الخطأ يعني الاعتراف بخطأ وبتصرف سلبي والتراجع عنه بغرض تصحيحه والحد من تبعاته. فقد كان المنتظر من المقرئ الإدريسي بعد اعتذاره، كما سبق أن وضحنا ذالك في مقال سابق، هو الاعتذار، نقطة إلى السطر، أي طي الموضوع وإغلاقه. بينما الحاصل هو أن الرجل ومن معه ، شكلوا "جبهة نصرة" وحركوا حملة منسقة للعلاقات العامة عنوانها طهرانية المعني بالأمر، وقد وصل الحد بأحدهم إلى وصفه بالنبوة، ومدح مناقبه وملكاته الفكرية وغزير علمه الأسطوري! ومبادرات التضامن من شباب الإخوان ومن وجوه التيار البعثي من داخل المغرب ومن دولة قطر -مرة أخرى- واستوديوهات قناة الجزيرة ومن وراءهما...

لهذا كله فإن استمرار ترديد نفس الأسطوانة حول عصمة المعني بالأمر من الخطأ واتهام منتقديه بالتحامل والعمالة يدفعنا نحو التساؤل جديا حول إن كان الأمر اعتذارا حقيقيا من أبي زيد أم مجرد تكتيك ظرفي للالتفاف حول موجة السخط والتنديد العامين التي أعقبت تصريحاته والتي تلتها موجة التلميع الحركي والجماعتي. ومن الواضح أن تساؤلنا هذا فرضته السلوكات والممارسات اللاحقة والملموسة، حتى لا يزايد علينا أبوزيد مرة أخرى بمحاكمة النوايا!

وفي عودة لاتهامات الفقيه الريسوني الذي أثبت مؤخرا عضويته البارزة ضمن تنظيم الإخوان المسلمين الأجنبي، فلن أناقش مضمون رأيه ولا سبه وقذفه المجاني بهذا الخصوص، فهو ما فتئ يؤكد على تطرفه وعنفه في تناوله العديد من قضايا وتحولات المغرب المعاصر، ولم يخف عدة مرات، وفي لحظات النقاش الهامة، صداميته ومناوئته للتصور الديمقراطي وأفق التحول العقلاني والحداثي والإنسي الممكن وللملف والخطاب الأمازيغي في بلادنا.

لكن ما أود التوقف عنده في هذا المقام هو الإطار الناظم والمناسبة والمكان اللذان يحيطان بتصريحات وخطب الفقيه الريسوني، وكذا مضمون بعض العروض والتصريحات والردود التي أفصح خلالها عن انتهازية واضحة في فهم المقاصد وتحليل الوقائع من وراء ثورات الشعوب وانتفاضاتها من أجل التغيير والنهضة والتقدم.

لنبدأ بالجانب الأول من الاستفهام الذي تطرحه خرجات وعروض وفتاوى السيد الريسوني مند عدة سنوات والتي يمكن اختصارها في مناسبة ومكان وسبب نزولها. فالملاحظ أن جل هذه العروض والخرجات تكون في دول المشرق والخليج، ذلك أن الفقيه المقاصدي المغربي لا يتحدث غالبا إلا عندما يكون في ضيافة أشقائه العرب والإسلاميين في الخارج، وليس في الجزائر أو تونس وليبيا المجاورة، بل في السعودية ثم بعد الطلاق بالخلع في قطر وفي مصر أيام حكم تنظيم الإخوان ...، فيسهب في سرد رأيه وانتقاده لأحوال بلاده في انتشاء كبير وبجلبابه وطاقيته المميزة التي يحرص على رمزيتها التي تحيل على المغرب، رأسماله التجاري الدعوي، فينبري منافحا وممثلا ومستفسـرا (بفتح السين)، وكأنه وكيل سياسي ووصي إيديولوجي يوضح ويطمئن الإخوان على مصالحهم وضمان هواجسهم وآفاق وامتدادات مشروعهم في المغرب الأقصى.

من قبيل هذا ما جاء به الفقيه الريسوني في إحدى عروضه حول الثورة والعلماء، وكان ذلك في معرض ندوة “مسارات النهضة والفقه الاستراتيجي” بمصر سنة 2012، حينما وضح بأن الثورات هي مجرد ردة فعل غريزية ضد الطغيان وكما قال "فحتى الإنسان البدائي يثور على الظلم..."، وهو بذلك يحاول أن يضفي صفة القصور والاندفاع واللاعقل على انتفاضات الشعوب ومنظرا لضرورة الوصاية وشارحا لنوايا القفز على فاعليها وقوتها الاحتجاجية وتوجيهها ضدا على شروط قيامها التاريخية والسياسية وأهدافها التحررية.

ويؤكد ذلك بكل وضوح من خلال قوله بأن " من قادوا الثورات ليسوا بالضرورة هم من يصلح لما بعد الثورات، هذا انتبهوا إليه، لأنه أحس من بعض الكلام والتصريحات والكتابات أن من جاء بعد الثورة فاته القطار...لأنه إن كان العالم الشرعي مقصرا أو قليل الحضور، الآن العالم (بكسر اللام) لا بد أن يكون في الطليعة ولا بد أن يكون هو العقل المدبر، مرحلة استشراف المستقبل واقتطاف ثماره هو للعالم الشرعي..."، كذا!

إنها الانتهازية بعينها والتآمر في وضح النهار لمحاولة سرقة انتفاضات الشعوب وتوجيهها ضد مقاصدها وأهدافها باستغلال قواها وفاعليها، بل أن في هذا القول الخطير تبرير إيديولوجي لإقصاء القوى الفاعلة في حراك الحرية والكرامة والديمقراطية من معادلات التدبير السياسي والديمقراطي لدول ومجتمعات ما بعد الانتفاضات، وذلك بجميع الوسائل، وفي مثل هذا الكلام والقول المتطرف تحريض على الاستفراد بالنتائج وقرصنة الفرصة والسياق، والتخلص من الخصوم، والبقية معروفة كما حصل في تونس وفي مصر وسوريا وغيرها.

كيف لا يكون كذلك والفقيه الريسوني يؤكد بكل ثقة أن "من قادوا الثورات ليسوا بالضرورة من يصلح لما بعد الثورات!؟" ولماذا يغيب عن الفقيه المقاصدي سؤال الديمقراطية والحرية وإرادة الشعب في تحقيق مصيره وصناعة مستقبله، وهو يتحدث بكل ثقة وغرور عن وصاية الفقيه والجماعة ؟
وفي نفس السياق لا يجب إغفال الاستنكار الذي أثارته فتاوى الشيخ منذ سنوات بعد خرجته الداعية لضرورة تطبيق الحدود والعقوبات الجسدية البدائية بقطع الأيادي والأرجل والرقاب! كما لا يجب نسيان فتواه الشهيرة الأخرى سنة 2010، والتي حرم بموجبها التبضع من بعض الأسواق والمتاجر الكبرى التي تضم أجنحة المشروبات الكحولية، وحثه المحموم ضباط الشرطة القضائية وجميع وكلاء النيابة العامة لفتح المتابعات واعتقال المواطنين والمواطنات المتسوقين من هذه الأسواق والمتاجر الكبيرة المتعددة الأجنحة ! ناهيك عن مواقفه الرجعية والمتذبذبة بشأن حقوق المرأة والتعامل مع الأبناك!

أليس في مثل هذه التصريحات والفتاوى، خاصة المرتبطة بالتدبير السياسي لما بعد الانتفاضات، دعوة إلى الفتنة والنكوص؟ وفيما يختلف السيد الريسوني في هذه الفتاوى والممارسات عن إسلام "جبهة النصرة" و"داعش" الذي يستبيح دماء المخالفين والمعارضين لمشروعه المجتمعي الاستبدادي والشمولي؟

وأخيرا، وبمقارنة بسيطة بين خطاب الحركة الأمازيغية، من جهة، وحتى بين ردود سعد الدين العثماني، مثلا، وبين تصريحات وردود وفتاوى أحمد الريسوني وأبوزيد من داخل حزب العدالة والتنمية، من جهة أخرى، لا بد أن يتساءل المرء عن درجة مصداقية شهادة ومواقف أمثال من تصدر عنهم مثل هذه الفتاوى المتقلبة والمتطرفة، والذين يقذفون تعصبا وتحاملا غيرهم ومن يخالفهم الرأي ب"الوقاحة والتفاهة والنزول إلى الحضيض"، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا سياسية وحقوقية وثقافية تهم تطور المغرب واستقراره ومستقبله؟ كما يجب التساؤل حقا، ما الجهة أو الحركة والجماعة التي تشكل الخطر فعلا على مستقبل المغرب وتهدد بجره لمزالق العنف والاقتتال؟

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع