المقالات

أبوزيد لم يعتذر وحزبه يناصره

 

رشيد الحاحي

كنت أتمنى، كما كان مفترضا، أن يتحلى السيد المقرئ الإدريسي أبوزيد بما يكفي من الشجاعة الفكرية والمعنوية للاعتراف بخطئه البالغ وإساءته الصادمة في حق بلاده ككل والمغاربة ذوي الأصول الأمازيغية السوسية بوجه خاص، ويضع حدا لهذا النقاش. إلا أن القيادي الإسلامي وبرلماني البيجيدي أبى إلاّ أن ينهج سياسة الهروب إلى الوراء بأن عمد، وضداً على صريح مضمون عرضه وعباراته التي سمعها الجميع، إلى تبرئة نفسه من أي خطأ وانبرى، وقد أخذته العزة بالإثم ، يتهم منتقديه بالتحامل والعمالة لما سماه المافيات الفرنكوفونية والمشاريع الصهيونية وأجندات التطبيع والتهويد…كذا!

إن “النكتة” مثار القضية قد تتفهم في حال صدورها من مواطن عادي أو ذي مستوى ثقافي وتعليمي محدود، وفي سياق التنكيت المحلي الشعبي، بأنها سلوك عادي وذا دلالات مغايرة. لكن الحاصل أنها صدرت عن مسؤول سياسي ونائب برلماني في سياق ندوة “فكرية” وفي دولة أجنبية، خصوصاً بالكيفية التي وظفت بها لتصنيف المغاربة عنصرياً وإلصاق خصلة سيئة على “فئة عرقية مغربية” كما ذكر بكل وضوح، وبأسلوب تشخيصي ونبرة انبهارية تعكس حقيقة شخصيته ومواقفه، أراد أن يوحي من خلالها في حضرة جمهور فقهي من الخليجيين ببراءته هو الشيخ الإدريسي من تلك الفئة والعرق المغربيين وترفعه واستنكافه منهما!

أما تبريرات وتأويلات أبي زيد فهي مثيرة للشفقة والاستفزاز في نفس الآن، فهو من جهة يحاول تهريب النقاش لمواضيع أخرى، وعلى عادته والعديد ممن يتقاسمون معه إيديولوجية الصهينة والتكفير اتجاه الأمازيغ والربانية والطهرانية اتجاه الذات والجماعة، ربط قسراً سياق زلته الفظيعة وردود منتقديه المشروعة بنظرية المؤامرة، وادعاء بتر كلامه عند “ويل للمصلين” في حين أن كلامه وتشخيصه كان كامل العبارة والدلالة والإساءة، والقول بتقادم تصريحه كما لو كان يلقي عروضه في سرية أو أن فضحها يفقد الموضوع خطورته وراهنيته، ناسيا أن فضائح السياسيين غالبا ما تصل متأخرة.

بل أنه استحضر المعجم التقليدي الذي كثيرا ما يلتجئ إليه “الأمازيغوفوبيين” عندما تنفضح سلوكياتهم كالقول بنسب الأب أو الأم أو الزوجة أو أحد الجيران…إلى الأمازيغ. ومن الجهة الأخرى قام بكل ما في وسعه وهو يحاول أن يقنعنا بشكل فيه الكثير من استبلاد الناس بأن نكذب آذاننا وعقولنا ونصدقه هو! لكنه نسي أن أساليب الإقناع المبنية على الطاعة العمياء وإبطال العقل والمنطق والانسياق خلف الشيخ، وأساليب”الغميق” على المحاور، والتي لا يزال العديد من شباب الحزب للأسف الشديد ضحيتها رغم ما امتلك بعضهم من عنفوان الانتفاضات ووهم التغيير، هذه الأساليب لا تجدي نفعاً خارج نطاق دائرتهم، وأن المغاربة يتحلون بما يكفي من الوعي والذكاء لفهم ما فاه به المتحدث وما أضمره بين ثنايا خطابه التحاملي والعنصري.

فمن المثير فعلاً تأمل محاولات الرجل التنصل من تصريحاته بادعائه أنه لم يذكر أهل سوس بالاسم وأنه لم يقصدهم بسخريته، وهو الذي ربط نكتته بتجار مغاربة من “عرق معين” وذالك مربض الفرس الذي تحاشى ذكره في معرض “توضيحاته”. وهنا، وإزاء إنكار النائب البرلماني استهدافه لأهل سوس بلمزه، يتوجب التوقف ومطالبته بتسمية “العرق المغربي” الذي قصد بتصريحه بلا لف ولا دوران، هل اليهود المغاربة أم أهل فاس أم دكالة أم غيرهم؟ وهو يتناسى أو لا يعلم أن كل المغاربة متساوون في كرامتهم وأن تحقير قطاع منهم بمثابة الإساءة لهم جميعا.

لكن، وإن كان هذا الموقف غير جديد أو مفاجئ بالنسبة لمن يعرف جيدا تاريخ أبا زيد الإدريسي، وقد أشار المقرئ في توضيحه أو بالأحرى تعويمه إلى عرض ألقاه السنة الماضية بمدينة تزنيت ناسيا أن يذكر أنه وجماعته مارسا كل العنف على أحد المواطنين المتدخلين خلال العرض احتجاجا على لفظ “البربر” الذي يستعمله أبوزيد الذي رد عليه ب”سكت الحمار”، فإن المستهجن أكثر هو انسياق الحزب خلف هذا الموقف ونصرتهم لأخيهم ولو كان ظالما، وبدل رده عن غيه التمسوا له الأعذار الواهية، وقدموه بمظهر الضحية.

لقد كان انعقاد المجلس الوطني لحزب “العدالة والتنمية” الأخير وما قيل عن “جلسة مصارحة ومكاشفة” مع المعني بالأمر، فرصة مواتية لإعادة الأمور لنصابها بتقديم اعتذار صريح ومقتضب لعموم المغاربة، نقطة إلى السطر، على غرار ما يحصل في الدول الديمقراطية والأحزاب المسؤولة. وهو ما لن ينقص في شيء من قيمة أبي زيد ورفاقه، بل كان سيصبح نقطة ايجابية تعكس شجاعة وسلوكا حضاريا ونضجا سياسيا يحتسب لحزبهم خاصة أنه في رئاسة الحكومة. بيد أن “العدالة والتنمية” و”حكمائها” المعول عليهم، وخاصة من “إشلحين” سوس وأمازيغ المغرب عامة، آثروا الانحياز لصف أخيهم ضداً على كرامة ملايين من المواطنين المغاربة وأمازيغ سوس، وعوض أن تصحح الجماعة الفرد المخطئ، انساقت للأسف الشديد خلف استكباره وتعنته.

ومن المثير للشفقة في هذا الصدد تأمل كيف لجأ الحزب مجدداً لتكتيكه القديم باستحضار جمعياته وبعض “إشلحين” و”إريفين”، والمقدمين باعتبارهم “نشطاء أمازيغ”، واللذين دأب الحزب على استخراجهم وإشهارهم كلما تطلب الأمر تمرير وتبرير مواقف أبعد ما تكون عن مصلحة الأمازيغ والأمازيغية أو كرامة الإنسان المغربي بوجه عام.

لهذا، وبينما كان الإشكال قبل الاجتماع المذكور محصورا في شخص الإدريسي أبوزيد، وبالنظر لموقف الحزب الإسلامي المساند والمبرر للنازلة، فقد قام حزب “العدالة والتنمية” فعليا بتبني “ورقة” أبي زيد العنصرية للأسف، فأصبح الموقف حزبيا وجماعاتيا، يساند المضمون العنصري لعرض برلمانيهم وكل ما ورد في تعويمه الزائف من قذف واتهام لمكونات ومناضلي الحركة الأمازيغية بالصهينة والمؤامرة وبقية عبارات قاموس حربهم الإيديولوجية التي لم تعد تنطلي على عاقل، وهو الأمر المؤسف الذي سجله التاريخ وسيكون له ما بعده، لا شك.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع