المقالات

الأمازيغية بين الانتكاسة والنضال المشروع

 

رشيد الحاحي

 

لا شك أن الأمازيغية هي من أكثر الملفات والقضايا الحقوقية والسياسية والثقافية والاجتماعية تضررا وانحصارا في السياق الراهن الذي تعرفه دول شمال إفريقيا،  أي أكثرها هزالة في معادلات وتوازنات المرحلة والمراحل القادمة، أي ما بعد أحلام الانتفاضات والإنصاف والقضاء على الفساد والاستبداد وإحقاق الحقوق وإقرار الديمقراطية الفعلية، وبعد انتكاسات وخيانة الدول والحكومات ومحاولة الالتفاف على التعاقدات والإجراءات السياسية والمؤسساتية المرتبطة بها. وإذا كانت وضعية الأمازيغية لا زالت تراوح مكانها ومستقبلها يعرف غموضا كبيرا في بقية دول شمال إفريقيا خاصة في ليبيا وتونس والجزائر، فإن وضعها الراهن في المغرب وبعد أن كان سباقا إلى التعاطي مع الملف الأمازيغي، صار يثير الكثير من الأسئلة ويطرح المزيد من التحديات.

فمن خلال معاينة الوضعية المتردية للأمازيغية في المدارس والمنظومة التربوية والتراجعات الحاصلة، ومتابعة بعض برامج قنوات القطب العمومي وشكل تعاطيها مع الأمازيغية وإقصاءها من شبكة البرامج، والاستماع لمعانات المواطنين من جراء عمليات الاستغلال والحرمان من الاستفادة من ثروات مجالهم الطبيعي، ومعانات الجميع مع ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، واستمرار أشكال قمع الاحتجاجات، والاطلاع على وضعية الطالببن الأمازيغيين المعتقلين مند سنة 2007 حميد أعضوش ومصطفى أسايا ومعاناتهم مع الاعتقال والحرمان من حقهم في التعليم بسلك الماستر...من حلال هذه المعطيات تتأكد وضعية التردي والهزالة الاعتبارية والمؤسساتية التي تعرفها الأمازيغية خلال السنوات الأخيرة.

فالعديد من المعطيات التي تعكس هذا الأمر الواقع تفيد بأن تدبير الملف الأمازيغي والتعاطي معه في أبعاده السياسية والحقوقية والثقافية والسوسيو اقتصادية، يعرف انتكاسة كبيرة وغموضا متزايدا مما يجعله مرجحا لكل الاحتمالات سواء على مستوى الاحتواء وإفراغه من محتواه الفعلي، وكذا على مستوى الفعل النضالي والتنظيمي الأمازيغي. ويكفي لإبراز خطورة هذا الوضع التوقف عند الوقائع والمعطيات الآتية:

  • فبعدما ما كان النقاش حول الأمازيغية مرتكزا حول القوانين التنظيمية   التي ستحسم في الأساس القانوني والتشريعي لإدماج الأمازيغية في التعليم والإعلام وبقية المجالات العامة، وبعد أن  استأثر هذا النقاش بالأهمية والمبادرة على امتداد فترة النقاش الدستوري وعمر حكومة بنكيران الأولى، اتضح أن تاريخ ديسمبر 2013 الذي وضعته الحكومة ضمن مخططها التشريعي كموعد لإخراج هذا القانون إلى حيز الوجود، ورغم كل الرفض والنقد الذي وجه إلى هذه البرمجة لكونها تتماطل في الإسراع بهذا القانون الذي كان يعتبر من الأولويات، وأمام حالة التردي التي تعرفها وضعية الأمازيغية، اتضح ونحن على أبواب 2014 بأن هذا القانون ومستقبل الأمازيغية وولوجها الحياة العامة تحول إلى موضوع استهتار وخوف، وصار عرضة للابتذال ودخل النفق المسدود.

  • يعاني سكان العديد من المناطق في المغرب من حرمانهم من الاستفادة المشروعة من ثروات مجالهم الطبيعي، خاصة في بعض الأقاليم والمناطق التي تعرف مظاهر الريع الاقتصادي كتزايد الترامي على أراضي الجموع والأراضي السلالية، وتحديد الملك الغابوي وإطلاق الخنزير البري والتضييق على الأنشطة المعيشية للسكان في البوادي والقرى، واستغلال المناجم والمياه، وذلك بأشكال وطرق استغلالية لا تراعي حقوق السكان وشروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أوساطهم وجماعاتهم المحلية. ورغم النقاش الايجابي والوقفات والمبادرات التي أقدمت عليها العديد من الإطارات والجمعيات بهدف فتح نقاش حقيقي يضمن مراجعة القرارات والقوانين التي كانت وراء هذا الوضع المتفاقم، فإن المعطيات المتوفرة تفيد بأن هذا الموضوع والإشكال الحساس المرتبط به بقي ضحية التصلب في المقاربة والمعالجة القانونية والإدارية والسوسيواقتصادية، مما يجعله بدوره مفتوحا لكل إمكانات الفعل النضالي والمطالبة الحقوقية المشروعة.

  • بتتبع مضمون بعض النقاشات التي تعرفها الساحة الوطنية خلال الشهور الأخيرة، ومشارع "الإصلاح" وتشكيل اللجن وانشغالات الأحزاب والحكومة، كنقاش "الدارجة والعربية" وإصلاح العدالة والمجلس الأعلى للتعليم وحوار الشوباني حول المجتمع المدني...يتضح أن الأمازيغية بكل أبعادها المقبولة والمزعجة، أي اللغوية والثقافية والمؤسساتية والحركية والسوسيواقتصادية والهوياتية...، هي موضوع استضعاف وعزل. والمعطيات المتوفرة على ضوء هذه التقارير والمشاريع والغايات، تؤكد أن الحكومة والأحزاب والأطراف السياسية والحزبية والمدنية والثقافية المساهمة في هذه "الطبخات"، تلتقي في حس وموقف الامتعاض والتخوف الإيديولوجي  اتجاه الأمازيغية، وأشكال المقاربة التي تعتمدها تطمح إلى تشكيل واحتواء الإجراء السياسي والقانوني والإداري المرتبط بقضايا الأمازيغية ومكانتها في الشأن اللغوي والثقافي والترابي بشكل عام، في المستقبل. ومن خلال مقاربتهم المعلنة أو المضمرة يتبين أن هؤلاء وأتباعهم يروقهم أن تهزل الأمازيغية وأن تتراجع كصوت إنسي واجتماعي وهوياتي، سواء على المستوى السياسي والمؤسساتي وولوج دائرة القرار وسن السياسات وتدبير الحياة العامة، أو على مستوى فضاء المجتمع والفعل الحركي والمدني والحقوقي والثقافي.

هذا مؤشرات ومعطيات من صلب الأمر الواقع  وجزء من المشهد العتم الذي يخيم على وضعية ومستقبل الأمازيغية في  بلادنا والذي تفاقم خلال الشهور الأخيرة، مما يطرح تحديات كبرى على الإطارات والفاعلين والمناضلين في هذا الحقل والشأن الذي يلتقي فيه الحقوقي بالثقافي والسياسي والعلمي، والمرجح للمزيد من الانتكاس، لكن أيضا للمطالبة والاحتجاج المشروع.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع