المقالات

الحركة الامازيغية في مفترق الطرق (2)

 

خميس بتكمنت

بعد التبين من عدم نجاعة التيار الإصلاحي الامازيغي في تحقيق المطالب الرئيسية للحركة الامازيغية بإعتبار أن هذا التيار محدود الرقعة الممارساتية و مقيد بالتخطيط الرسمي للمخزن الذي لا يسمح له بالتعبير عن تطلعات الشعب في رغبته بتحقيق ديمقراطية الدولة ذات الهوية الأمازيغية مستنبطة من هوية الشعب ، لابد من التأكيد من عدم نجاعة الرهان عليه ، و يبقى التيار الراديكالي هو الحافظ للخطوط العريضة التي إنبنى عليها خطاب الحركة  بتمسكه الابدي بضرورة التوافق أولا على نوعية النظام السياسي و التوافق عليه من طرف الشعب بعد تشميع العمل بالدستور الممنوح و كافة القوانين و القرارات المتمخضة عنه ، إذ لا مجال من إنتظار تغير نهج الدولة المخزنية نحو الامازيغية في ظل بقاء مؤسساتها السياسية عروبية و تستمد شرعيتها من مزج النسب الشريف الغير المرتبط بالإنتماء التاريخي للأرض مع العروبة و الإسلام في خلط يرجى منه إضفاء طابع القداسة على النظام السياسي بجعل الدين ركيزة للمشروعية التي إنبنت عليها الدولة في نسقها العام ، و بالرغم من الأشواط المهمة التي قطعها التيار الراديكالي في توتيد خطابه ليتجذر لدى طبقة شعبية لا يستهان بها ، إلا انه لا يزال يعاني من إخلالات عدة أبرزها شخصنة النضالات في هذا الطرف أو ذاك و ذلك ما يفرز تطاحنا بين تيارات تتوافق على الخطاب و خطوطه و هدفه الإستراتيجي و لا تتوافق على الاشخاص المتزعمين و المتبنين للطرح السياسي و ذاك للأسف الشديد يجعل نظرية المؤامرة حاضرة بقوة عبر محاولة كل طرف إمطار شريكه في النضال بوابل من التهم بعد الإنتقال من نقد الفكرة إلى الخوض في الحياة الشخصية و العائلية للمناضل ، كما لا يمكن إغفال التطرق لنزعة القيادة و سيادة الأنا المثالية التي تؤثر سلبيا على الحركة الامازيغية لتكون قوة ضاغطة ، إذ لا يمكن التسليم ان من يدعي التفرغ للعمل لتخليص الشعب من التبعية يحاول بشعور منه أومن دونه  بتكريس نزعة الإرادة لصنع قطيع جديد يسلم بقداسة المتزعم .

إن الراهنية تقتضي إعادة النظر في الآليات النضالية للحركة الامازيغية عبر فسخ الهوة بين النخبة المثقفة و الشعب بالإلتفاف حول هموم الجماهير و إيجاد صيغ للحلول متوافق عليها بعيدا عن الثقافة الهدامة التي تشيطن أي مبادرة إن لم يكن طرف ما هو المتزعم ، و أعتقد ان تحقيق الامر رهين بتقديم نقد ذاتي للسيرورة النضالية للحركة الامازيغية للوقوف على إخفاقاتها و تشخيص مكامن قوتها الشيء الذي سينبثق عنه تشخيص للعلة و تحديد الخصم الإستراتيجي للقضية الامازيغية للخروج من قوقعة التصارع الداخلي و تحويل المعركة نحو الخصم بكل ثقل ممكن قصد بعثرة و خلخلة الإستراتيجية المخزنية المتعامل بها تجاه القضية الأمازيغية  ، فإضعاف الخصم يحتاج التوحد ضده و توحيد الجهود لمجابهة مراميه و إن التطاحن الأمازيغي_ الامازيغي لا يخدم إلا مصلحة من يريد من الامازيغية أداة إستئناسية تؤثث المشهد السياسي .

إن النجاح الفعلي للخطاب الامازيغي رهين بتحويل معركة النخب إلى معركة الجماهير بالشارع ليكون الشعب هو المسند و المرجع ، بعد التفكير في خلق آليات تعبوية تخلص من كَرست فيهم الدولة إنفصامية الإنتماء و نكران الذات  بالإستعانة بجيوب المخزن المتجلي في تيارات الإسلام السياسي التي تسعى لخلط المفاهيم بين قدسية الإسلام و العروبة بالعزف على الوتر الحساس للشعب و إستغلال الدين كمطية سياسيوية إنتخابوية عبر توظيف الدين كأداة زجرية في التقييم السياسي لتسهيل إتهام كل من ينتقد الإسلام السياسي بالزندقة و الخروج عن الملة ، و إن الضغط الجماهيري هو الكفيل بإحداث الفارق في الشارع و قد بدت بوادر ذلك تنجلي بعد إنجاح فكرة تاوادا إيمازيغن التي تعتبر محطة حاسمة في المسار النضالي الأمازيغي و مرحلة إنتقالية من نضال الأبراج و الصالونات إلى نضال ملموس يحتك به عامة الشعب ، فحتى لو تم تسجيل بعض الخروقات التنظيمية في تاوادا فذاك لا يعني وأد التجربة بقدر ما يستلزم الإلتفاف الأكبر لتحصينها من أية محاولة إحتواء او إستعمالها كقنطرة لإرسال إشارات إيجابية للمخزن بجاهزية بعض الاطراف للتمخزن و المساومة  على حساب النيل من زخم تاوادا ، إذ تبقى هذه التجربة حكرا للشعب و تطلعاته و اي طرف ثبتت شبهته فالأحرى ممارسة الفضح السياسي ضده لتجنيبها من اية محاولة شخصنة أو تحكم فيها عن بعد  و أعتقد أن الضامن للرقي بمستوى تاوادا هو الإستفادة من الإرث و دروس الحركة الثقافية الأمازيغية من داخل الجامعة التي إستطاعت توليد المناضلين و تعبئتهم لتحمل المسؤوليات الكبيرة إلى جانب الجماهير الشعبية و قوتها في ذلك خطها النقدي التصحيحي و التنويري العقلاني القائم على التشبع بثقافة التعدد و الإختلاف و النسبية و المقارعة بالحجة عبر تنظيم أفقي يقطع مع الزعامة و القيادة .

صحيح أن الحركة الامازيغية عرفت مؤخرا ركودا نضاليا حادا ، فسح المجال لظهور أطياف مستحدثة تحاول تقزيم النضال الامازيغي في الإكتفاء بالتصفيق للخطوات المخزنية الملغومة تجاه الأمازيغية التي تخفي إرادة قوية في إختراق المد النضالي الامازيغي عبر تقسيم الغنائم السياسية على اطراف  معينين و توفير الشروط الكافية لإظهارهم  كأبطال المرحلة يكون مقامهم الاخير هو الإنزواء جهة الطرح المخزني ، و بدا ذلك جليا في الصمت المدقع و الغير المبرر على الإضطهاد الذي يطال معتصمي إيميضر بجبل ألبان منذ ما يزيد عن السنتين و تزكية النهج السياسي المتعامَل به مع قضية الصحراء التي تم إفراغها من الإنتساب الامازيغي دون إغفال توالي سياسة نزع الأراضي وفق قوانين إستعمارية و إغماض الطرف عن معانات أمازيغ الأطلس جراء سياسات تفقيرية و تهميشية و توالي النظرة الإستغنامية تجاه الريف عبر التهجير الممنهج و إبقائه رقم مالي يصد عن النظام السياسي الأزمات الإقتصادية ، لكن كل ما يحدث ليس بمانع لتبرير الصمت و الركود إذ لا يساعد ذلك إلا في إنجاح سياسة الإستنزاف و التعويل على ملل المناضلين و المراهنة على إنهيار معنوياتهم لذلك فالوضع الآني يستلزم التوحد و مجابهة المخططات الامازيغوفوبية بتحمل كل من يدعي النضال الجذري لمسؤوليته في تكريس الأزمة بدل التفطن و التعجيل في التفكير لإيجاد حلول عملية توحد اكبر عدد من الغيورين على أمازيغيتهم ، إذ ان مطلب ديمقراطية الدولة لا يتاح بفتح نقاشات نخبوية بقدر ما ينتزع بواسطة توعية الشعب بمخاطر الردة السياسية التي يعيشها المغرب حاليا .

و على سبيل الختم فإن الخطاب الامازيغي آنيا ملزم بالسير قدما عبر الإستفادة من الزلات و تغليب الإيمان بالوصول للهدف الإستراتيجي من خلال التخلص من الانانية الفردية النضالية و تذويب الأنا في الهم الجماعي للشعب الذي يتطلع للتحرر و معانقة الديمقراطية الفعلية التي تستلزم الرجوع للشعب كقاعدة مرجعية و ليس اداة لبلورة مخططات سياسية جاهزة تم تغييب عنصر التوافق و الرضى الشعبيين فيها ، و ما علينا إلا الإقتناع أن القضية اكبر من حصرها في تصارع شخصي أو مطية سياسية ، فالخصم هو من خلق الازمة التي أفرزت الواقع البئيس المعاش لذلك فلن تنجح اي معركة مستقبلية إلا بعد تشخيص الداء و التوحد من اجل إستئصاله إذ لا ديمقراطية إنتقالية في خضم توالي الأعربة السياسية .                  

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع