المقالات

عندما أفكر بعقلي ولعقلي

بقلم: كريم الزياني

بين ذاك الحلم الجميل وهذه الحقيقةالضائع بدأت تطرح على ذواتنا وعقولنا الأسئلة عدة من قبيل، ما الفكر؟ ما المعرفة؟ وما الواقع؟ وهل الفكر الموضوعي الصائب هو نتاج لواقع ما؟ أم أن الواقع هو في حد ذاته نتاج لفكر ما؟ وحتى أصل إلى الأجوبة التي من الممكن أن تشفي غليلي  وتقنع ذاتي وعقلي شقت الطريق إلى البحث عن الجواب وذلك بوضعي كل الفكر البشري تحت عدسة المجهر حتى أنزح وأكشف القناع الذي حرك الفكر بلغة  النظريات والمفاهيم والشعارات، وما وصلت إلى نزع الستار حتى وجدت نفسي تائه في دروب الفكر التحرري الإنساني الرائع والفكر الأحادي المنغلق الرافض، ما كانت بجانبي إلا الكتب والأوراق التي أدون فيه بعض الأفكار التي أستشفها وأستنبطها ما بين أسطر لا كما هي مكتوبة بأحرفها بل كنت دائما أبحث عن ما تخفيه لي هذه الأفكار ما وراء السطور وحتى لا أسقط في نقل ما في النصوص الثابتة كما هي ضمن واقع يختلف عنه النص وسياقات ظهوره فضلت أن أبحر بعقلي بين الأسطر أغوص إلى أعماق معانيها حتى أجد ما يسموا به عقلي ويتعالى عن لا مفكر فيه، لأنني أريد لعقلي أن يبدع لا أن يتماها مع النصوص، وحتى لا أهمل موقعي وأنسى واقعي وأفكر بعقل ولعقل ليس بعقلي كنت أحرس دائما على استحضار ثقافة وبنيات واقعي المعيش قبل قراءتي وتحليلي لأي فكر، حتى لا أضع النص في موضع الذات وأفكر في هذه الأخيرة من خلال النص، لذلك حرست أن أضعه -النص-  موضع الموضوع الذي يحتاج تفكير فيه كموضوع من خلال الذات، وهكذا فتحت المجال لعقلي ليفكر هو معي أقبل أن أفكر أنا معه، حتى لا تخدعني ذاتي وتنساق وراء التفكير بمنطق "الأنا" ويضيع تفكيري العقلي مع الذاتية المنغلقة بدل التفكير الموضوعي العلمي وحتى لا تنسى وتتناسى هذه الأخيرة "الأنا" أن ما يهم لي هو الوقوف إلا الفكر بعقلي الموضوعي العلمي لا بالعقل الإيديولوجي المتماهي الذي يرى ويحلل النص بمنظار ومن منطلق واحد أو من منطلق "التبرير العقلاني" بتعبير المفكر الفرنسي "إدكار موران" بدل التفكير العقلاني المنفتح على تحليل الفكر في علاقته بالواقع من كل الزوايا بدل تسييج التفكير في الفكر والواقع من منطلق "السياجات العقائدية أو الدوغماتية" بتعبير المفكر الجزائري محمد أركون . 

وبهذا التفكير العقلاني الذي نهجته مع نفسي للوقوف إلى الفكر والنصوص استخلصت وتوصلت إلى أن الفكر البشري عامة هو فكر نسبي لا مجال للحديث عن المطلق فيه، لأن الفكر الذي يعتبر من الصنع البشري فقد يحتمل الخطأ وقد يحتمل الصواب، وبالتالي ما دام الفكر البشري تحكمه الدينامية والصيرورة  فيمكن للفكرة الصحيحة اليوم أن تكون خاطئة غدا. فوجدت أن ما أهملناه وأغفلناه ولم ننتبه إليه هو أننا نكتسب دائما المعارف وفي كل يوم نمضيه في حياتنا نضيف أفكار ومفاهيم إلى رصيدنا المعرفي لكننا لم يسبق لنا أن طرحنا سؤال ما المعرفة؟ هذا السؤال الذي غالبا ما يقتصر طرحه في تخصصه، أي في مجال علم الابستيمولوجية، في الوقت الذي يجب أن يطرح هذا السؤال من داخل كل العلوم الإنسان والمجتمع ما دامت هذه الأخيرة نسبية في الحقائق التي تتوصل إليها وفي ديناميتها وصيرورتها وتجددها، فمن السهل علينا أن نكتسب المعارف لكن من الصعب أن نعيد النظر فيها لأننا نعتقد سلفا من خلال البيئة التربوية التي تربينا فيها التي هي في الغالب بيئة تعلمنا الطاعة والرضوخ بدل التمرد وطرح السؤال الذي يعتبر من الضروريات العلمية لتقدم أي فكر وأي معرفة، نعتقد أن هذه المعارف التي نكتسبها حقيقية ومطلقة ونأخذها على أساس أنها مسلمات لا يمكن إعادة النظر فيها، لكن ما دامت المعرفة حسب "إدكار موران" هي مسألة خطأ ووهم يمكن لنا أن نعيد النظر في المعارف التي نكتسبها ما دامت تحتمل الصواب والخطأ، وذلك حتى نقوم بغربلة كل من تلك الأفكار الخاطئة ونسعى إلى بناء معارف جديدة التي تساير الواقع وتستجيب لتطلعاته، لأنه لا يمكن أن نتقدم في فكرنا البشري إن لم نقم بهدم كل الأفكار الراسخة الخاطئة بتعبير "غستون بشلار". فإذا استحضرت هنا "المنظومة التربوية المغربية" في جميع مستوياتها الدراسية وأسلاكها وشعبها نجد أنها تلقن المعرفة والفكر لا علاقة له بالواقع ولا بالإنسان الذي يعيش على هذه الأرض ولا بتاريخه الحقيقي ولا برموزه ولا بقيمه ولا بثقافته ولا بهويته السياسية ولا حتى بالفكر البشري كما هو الذي تستحضر فيه دائما "الأنا" قبل "الآخر"، فهذا الدرس الذي يلقن في هذه المنظومة ليس بفكر ولا بمعرفة بل هي إيديولوجية سياسية معينة تريد أن تفرضها هذه طبقة سياسية على كل الشعب المغربي التي تستغل في هذا موقعها في السلطة والحكم. وهذا التوجه لم يقتصر على هذه الفئة الحاكمة وفقط بل تبنته فئات عريضة من الممثلين الاجتماعيين والمفكرين، ففي الوقت الذي كان يجب على هذين الأخيرين بحكم موقعهما كمفكرين وباحثين ومؤرخين أن يقوموا بتعرية هذا الواقع وكشف عن حقائقه التاريخية والاجتماعية الثقافية بعيدا عن إيديولوجية السلطة بتعبير السوسيولوجي المغربي عبد الرحيم العطري، نجد العكس تماما حيث هؤلاء "المفكرين" ذهبوا إلى تبني في بحثهم ما هو سائد من الفكر الرسمي وتماهو معه بدل أن يضعوه موضع السؤال والبحث في حقيقته وتعرية بنياته. وأخطر في هذا عندما نجد مفكرا أو باحثا يقوم بإسقاط أطروحات ونظريات جاهزة عاشها شعب معين في واقع يختلف جذريا عن واقعه هو، ليحلل بنيات واقعه بعقل ليس بعقله تماما.

فلا يجب أن يفهم من كلامي هذا أنني ضد قراءة فلسفة هؤلاء المفكرين بما فيها فلسفة سارتر وهيجل وماركس وفرويد ولا غيرهم من المفكرين المغاربة والمستشرقين، بل يجب دائما أن نتحاور مع فلسفة هؤلاء المفكرين ونقرأ لهم فكرهم ونستفيد من كتاباتهم باعتبارهم مفكري الاختلاف وحوارنا معهم لا يعني تقديسهم أو اتخاذهم كأطر مرجعية كما فعل الماركسيون مع ماركس والوجوديين مع سارتر، وإنما يجب أن نترك هذا المحصول النظري الذي نستفيده منهم في صورة افتراضات علمية ونعود إلى الواقع الذي هو المحك الحقيقي لمعرفة الخطأ من الصواب، وهكذا نعيد النظر في هذه الافتراضات على ضوء خلاصة الواقع وليس العكس، لأنني لدي قناعة على أنه لا يمكن ملامسة ما هو نظري بدون انطلاق من الواقع، حيث الفكر يكون نتاج لهذا الأخير وليس العكس، هناك مقولة شهيرة لماركس في كتابه "الوعي الطبقي ص.12" تقول (لا يكفي أن يتجه الفكر نحو الحقيقة، بل يجب أن تتجه الحقيقة ذاتها إلى الفكر) وهكذا حتى لا نسقط في التفكير بعقل ولعقل ليس بعقلنا هذا العقل الذي يسقطنا غالبا في عدم مطابقة الفكر بالممارسة والواقع التي يعتبرها ماركس نفسه من شروط الضرورية لممارسة النظري.

إن تلقين ونشر هذا النوع من الفكر الغير الواقعي المبني على "الجهل المؤسس" بتعبير محمد أركون لا يؤسس إلا لمجتمع الجهال ومجتمع المغتربين الذي يضيع فيه الفرد والمجتمع بين الأسطورة-الأكاذيب-الوهم وبين الحقيقة العلمية والموضوعية، هذا الفكر الذي تريد من خلالها الفئات السياسية الحاكمة أن تصنع منه مجتمع من الإنبطاحيين الذين يطيعون ويأخذون وينفذون بلا تمرد وبلا شك فيما يلقن لهم وبلا سؤال عن حقيقة هذا وذاك وبلا نقد لما هم سائد وسعي إلى تغييره وتجديده، المجتمع الذي يخاف حتى أن يبحث عن حقيقة الأشياء، يخاف لأنه يقدس الجهل وحتى لا يصاب بصدمة ما عندما سيكتشف حقيقة هذا الفكر الذي يلقن له يخاف حتى أن يبحث في أسسه وبنياته وبالتالي يفضل تقديس الجهل وما هو سائد.  

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع