المقالات

بين ملتقيات مكناس -الهرهورة و أمس الحركة الأمازيغية ماذا تحقق ؟

رشيد مرابط

- ظهور الحركة الأمازيغية في المغرب

ظهرت الحركة الأمازيغية آواخر الستينات كحركة فكرية كان لها الفضل في خلق نقاشات ساهمت في تغيير الكثير من المفاهيم حول قضايا فكرية و سياسية مرتبطة بالهوية و التاريخ و حقوق الإنسان.. والتي ظل الخوض فيها إلى تلك الفترة من الأمور "الشادة" و المحظورة و الغير المقبولة , وقد ظلت الحركة تمارس مهمتها بشكل شبه سري عبر خلق جمعيات للثقافة الشعبية ولم تستطيع أن تصدع بأمازيغيتها إلا أواسط الثمانينات حيث بدأت في تنظيم ملتقيات و ندوات عن الأمازيغية متجاوزة بذالك المسطلحات التقليدية من قبيل "الثقافة الشعبية" في الحديث عن الحقوق الثقافية الأمازيغية .

و قد تبنت الحركة في خطابها أسلوب المهادنة مع المخزن بإعتبار القضية الأمازيغية قضية تهم كل المغاربة و الأمازيغية "ملك لكل المغاربة" و تجنبت إقحامها في المتاهات السياسية التي تعتبرها الحركة حينها ستؤدي بالأمازيغية نحو التقوقع بين فئة من الشعب المغربي دون فئة أخرى أو يعرضها لحسابات لا يمكن التنبأ بنتائجها ...
هذا الخطاب ورغم ما يبدو عليه اليوم من بساطة يعتبر في تلك الفترة خطابا جريئا أو خطيرا خصوصا بين الأوساط السياسية و الفكرية المحقونة بالإديولوجية العروبية المرتبطة بالشرق والتي ترى في العروبة سبيل لوحدة و تماسك الشعب المغربي و ضمان إرتباطه "بالوطن العربي الموحد" .


ورغم أن ألحركة قدمت شهداء و معتقلين دفاعا عن مواقفها إلا أن ذالك لم يثنيها عن مواصلة مسيرتها النضالية دفاعا عن حقوق الشعب الأمازيغي المشروعة .

_ مكاسب - إنقسام - إلتفاف .

مع منتصف التسعينات بدت مواقف الدولة تجاه الحركة الأمازيغية أكثر ليونة و أكثر تفهما لمطالبها وتجلى ذالك بوضوح في إشراكها في الفعاليات التي تنظمها الدولة خصوصا فيما سمي حينها "بالمناظرة الوطنية للإعلام" و كذالك في "ميثاق التربية و التعليم" الذي أثار تحفظ الحركة بعد صياغته , لكن أكثر ما يوضح موقف الدولة هذا هو خطاب الملك (الحسن الثاني) 1994 والذي تحدث فيه عن إمكانية تدريس "اللهجات الأمازيغية" , كل هذا شجع أطراف أخرى خارج الحركة كان لها تحفظ قبلها على تبني "النضال الأمازيغي" على إنشاء جمعيات موالية للسلطة أو قريبة من بعض رجالاتها و هو ما سبب بفضل تمكنها المادي و المعنوي من إختراق "التنسيق الوطني للجمعيات الأمازيغية" التي كان يربطها "ميثاق أكادير" وبالتالي فشلت الحركة في توحيد مواقفها , وقد كان هذا الفشل سبب في عدم تمثيل أمازيغ المغرب في "الكونكريس العالمي الأمازيغي" بعد تأسيسه .


وبوفاة "الحسن الثاني و تولي إبنه الحكم سارعت الإطارات الأمازيغية مرة أخرى لبناء التنسيق من جديد وحاولت الظهور أمام "الحاكم الجديد" بصورة أكثر تمردا من خلال دعوتها لمسيرة وطنية أمازيغية "تاوادا" , هذا الموقف الشجاع كان له دور كبير في تحرك السلطة من أعلى مراكزها وفي خطاب أجدير بإعلان تأسيس "المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية" وهو إستجابة لأحد المطالب الرئيسية للحركة , بعد تأسيسه سنة 2001 سارعت الدولة من جديد لإعلان تدريس الأمازيغية لكن الصراعات عادت إلى جسم الحركة حيث بدأ كل تيار يتحرك من أجل نيل قسط أوفر من "المكسب الجديد (المعهد)" وهو ما زرع بدرة الخلافات التي ما زلنا نعيشها إلى اليوم , فتيار بدى مقتنع تماما أن الدولة تصالحت مع الماضي الأمازيغي القاسي وبالتالي ليس عليها إلا إنتظار ترسيم لغتهم و تنتهي المهمة , و تيار آخر كان يرى أن حل القضية الأمازيغية لن يكون إلا بالتوجه نحو المنظمات الدولية و الأمم المتحدة .. أما التيار الثالث فاكتفى بمحادة الأحزاب و محاولة فرض خطابه عبرها , فيما توجه التيار الأكثر تشددا إلى إضفاء طابع الشمولية على خطابه عبر ربط المطالب الإقتصادية و الإجتماعية بالمطالب السياسية و الثقافية و ذهب نحو تأسيس لحزب أمازيغي لم يعمر طويلا قبل حظره في قضية مازالت غامضة ..
إستمرت أوضاع الحركة على هذا التقسيم الذي أضعفها ما جعل المخزن يلتف على كل مكاسبها فوجه "المعهد" لخدمة أجندته السياسية و إن كان من الظلم نكران دوره الأكاديمي و مجهوداته في هذا الجانب , فيما أبان (المخزن) عن تماطل فاضح بشأن تدريس الأمازيغية و هي إحدى المطالب ألتي قبل بها بعد "التهديد بتوادا" هنا يظهر جليا مرة أخرى دور الخطاب القوي الذي يلزم الحركة التشبت به . بعد ذالك إستمر القمع ضد الصوت الساعي للتغيير خصوصا داخل الجامعات حيث إعتقل "أعضوش و أوسايا" و استمر التهميش و ارتفعت مأشرات التعريب إلى خروج حركة عشرين فبراير .
_ "الترسيم".. و يتكرر السيناريو ..

هل أخطأ الحكيم الأمازيغي في قولته "igh irza ikhf ijji kra tnnit ighut" ؟ وكأن 2001 يعود من جديد فبخروج حركة 20 فبراير خرج الأمازيغ بكل تياراتهم للمطالبة بترسيم الأمازيغية ولم يمضي سوى أيام حتى أعلن الملك في خطاب رسمي عن تغيير الدستور و ترسيم الأمازيغية , ما دفع بالتيار الإصلاحي في الحركة للإنسحاب من الشارع مجدادا , لكن الشكل الذي جاء به هذا الترسيم خصوصا بربطها بقوانين تنظيمية جعل التيار الراديكالي يتحفظ عليه فبدأ بعض الشباب في تأسيس لتنسيقيات "توادا نيمازيغن" بعد ضعف حركة عشرين فبراير , و مع خروج 'تاوادا" تار النقاش حول الأمازيغية و عن القوانين التنظيمية فتبنتها كل الأحزاب كما لم تكن قد تنكرت لها من قبل ..
إن ما يلزم الإنتباه إليه في هذه المرحلة هو أن المخزن إستطاع تقسيم الحركة الأمازيغية بعدما توحدت على الخروج إلى الشارع و إستطاع أن يضيف مطلبا آخر للحركة الأمازيغية وهو مطلب تنزيل وتفعيل القوانين التنظيمية هذه الخطوة جاءت كذالك لعزل التيار الراديكالي و إختبار قدرته على التنظيم و قوته و طول نفسه ويمكن إعتباره كذالك ورقة يدخرها المخزن لطرحها في وقت لاحق و طبق الظروف خصوصا في حال إستطاع التيار الراديكالي الصمود و حيث أن هذا التيار لم يستطع بناء تنظيمات قوية قادرة على إستقطاب آلاف الشباب الذين يجمعهم نفس التوجه و حيث أن محاولة إحياء "تاوادا" باءت بالفشل أو تكاد رغم قوة خطابه و شمولية مطالبه .. فإن هذه القوانين ستظل سجينة خزائن الحكم إلى أجل غير مسمى حتى و إن كان لا يطالب بها. و يبقى ترسيم الأمازيغية "ترسيم بدون ترسيم" .
فيظل التاريخ يكرر "نهديد فخطاب فمكسب فانقسام فالتفاف"

_ "أمكناس - الهرهورة .. وما بعدهما "

من خلال كل ما سبق بدا واضحا أن التيار الإصلاحي فقد دوره تماما في حسم مستقبل القضية الأمازيغية لينحصر الصراع بين التيار الراديكالي و السلطة بل يمكن أن نتوقع تحول دور الإصلاحيين مستقبلا إلى منفذ للمخزن من أي معركة حول الأمازيغية يمكن أن يحسمها الراديكاليين لصالحهم وهو ما لامسناه من الترسيم نفسه الذي لولا قبول الإصلاحيين فيه بالقوانين التنظيمية بل بالدستور لختلفت نتائج المعركة اليوم .. ما يعني أن أي إختراق للحركة لإضعافها يتم عن طريق الإصلاحيين , هذه الحقيقة التي بدى أن أطراف من هذا التيار أدركتها بعد أن عجزت تماما عن إخراج هذه القوانين إلى الوجود ما دفعهم للتحرك من جديد "لتوحيد الصف الأمازيغي" وهو الهدف الذي لا يختلف حوله "شكلا" أي أمازيغي فكان أن تمت الدعوة لملتقيات هنا و هناك آخرها ملتقى مكناس و الهرهورة , هذان اللقاءين المتزامنين يمكن قراءة كل منهما قراءة مختلفة فالأول المنعقد بمكناس وهو إستمرار للقاءات متواصلة الهدف منها تقريب المواقف حول بناء جبهة أمازيغية قادرة على فرض خطابها في الساحة الفكرية وهو مالا يمكن إنجاحه بإقصاء الطرف الراديكالي في الحركة لذالك فمشاركة مناضلين محسوبين على هذا التيار سيكون نجاحا للملتقى و قد يشجع الجهة الداعية إليه لتبني خطاب أكثر جرأة من أجل إستقطاب هذا التيار إلى هذا المشروع النضالي , ويمكن أن تكون هذه بداية جديدة لإنطلاق خطاب أمازيغي أكثر جرأة و أكثر قوة و تنظيما ..
في الجانب الآخر يبدو أن الطرف الثاني للتيار الإصلاحي و الذي تقوده "أزطا" يحاول تدارك الموقف الذي سيسقطه فيه نجاح ملتقى مكناس وهو ما جعله ينظم لقاء متزامن في "الهرهورة" حاول من خلاله الظهور كقوة كبيرة بإستقطاب أكثر من "44 جمعية أمازيغية" من كل أنحاء المغرب و إن كان معظمها جمعيات غير معروفة فيما بدا واضحا غياب الوجوه المعروفة في الساحة النضالية و كدا شباب "توادا" خصوصاً المستقلين ، ورغم ذالك يمكن إعتبار هذا اللقاء خطوة للتصعيد من أجل دفع الدولة نحو إنزال القوانين التنظيمية والتي ترتبط بها مصداقية و قوة هذا التيار .


في النهاية لا يبدو أن الصراع الفكري الأمازيغي - الأمازيغي سيصل إلى نقطة الفصل عما قريب في ظل عجز كل تيار عن فرض نفسه بقوة خطابه أو بمكاسبه و سيظل المخزن مستمرا في المراوغة حتى لا تكتمل لهذا الشعب حريته و كرامته.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع