المقالات

كرنفال بيلماون بودماون (بوجلود): لحظة انتصار الجمال على أعداء المرح

عبد السلام بومصر 
 
عرف مهرجان بيلماون (بوجلود) بمدينتي الدشيرة وإنزكان نجاحا منقطع النظير، حيث استطاع منظمو ذات التظاهرة أن يوحدوا مختلف الممارسات الطقوسية والإحتفالية بمناسبة عيد الأضحى في مختلف المناطق القريبة من المدينة وداخلها ليؤسسوا في النهاية للحظة فرجوية واحتفالية غاية في الإتقان والإبداع. وأدت جهود المنظمين المشكورة إلى الإنتقال بهذه الممارسة الطقوسية الفرجوية من كونها في غالب الأحيان ممارسة فردية وجماعية لطقس غارق في القدم تشتهر به منطقة الشمال الإفريقي إلى تظاهرة كبيرة يبدوا أنها ستكون نواة تاريخية لكرنفال عالمي ضخم. 
 و يكون بيلماون/ بوجلود لحظة فرجوية بامتياز تتناول في عمقها كينونة الحياة وإبداء الرغبة الملحة  في التشبث بها بشكل قوي وعميق عبر استعادة حياة القربان أو الأضحية التي سفكت دماؤها للتو. وتشكل جميع طقوس بيلماون أيضا في مختلف ربوع منطقة شمال افريقيا لحظة خاصة لاستعادة الحياة والإحتفاء بقدرتها على الإستمرار والتجدد والإنبعاث الدائم والأبدي رغم ما يشوبها من لحظات قاسية تتبدى في النهاية البيولوجية المؤلمة  والقاسية لمكونات المشهد الطبيعي الذي يمثله الكبش/ القربان/ الضحية هنا. فكأن الإنسان/ بيلماون يحاول استعادة لحظة الخلق والإحياء في قالب فرجوي يسوده المرح والفرح الشديد.. رغم أن العنصر الطبيعي  (الكبش) قد كان عرضة للإنهاء والتوقيف والإنمحاء..                     
هنا استطاع منظمو مهرجان بيلماون أن ينقلوا بفعالية واحترافية ثلة من الطقوس الفرجوية والإستعادية الصرفة إلى تبوء مكانة حيوية كبيرة في زحمة الحياة الجديدة التي تسير بسرعة فائقة. مؤكدين بشكل قوي وملموس بأن ممارسة إنسانية خاصة وحميمية مثل بيلماون يمكن أن تنتقل إلى مصاف التنظيم الحديث المتمثل في صناعة الفرجة الحديثة المتمثلة في "الكرنفال" باعتباره من أكبر مظاهر الصناعة الفرجوية في الزمن الراهن والقديم أيضا.. وعالم اليوم على علم تام بأكبر المهرجانات والكرنافالات الضخمة  ذائعة الصيت على المستوى الدولي يشارك فيها عشرات الملايين من الراقصين وعدد لا متناه من الأزياء والإبداعات والأفكار التي لا تخطر على بال..
 ومجموع هذه الكرنفالات والمهرجانات العملاقة كانت في الأساس ممارسات وطقوس دينية ارتبطت بمختلف الأشكال العقدية المعروفة وغير المعروفة عبر تاريخ الإنسان ومسيرته في الحياة... ولذلك عارضها الكثير من المنغلقين على توجهات عقدية  وأشكال دينية منطوية في الغالب باعتبارها ممارسات وثنية الأصل.. والأكيد أن معظم هذه التوجهات العقدية والدينية التي عارضت الأشكال الفرجوية الكرنفالية عبر مختلف مناطق العالم قد انهزمت في هذه المعركة الجمالية والفنية شر هزيمة.. ولا أدل على ذلك تجاوز الشعوب لأفكار المراقبة  والتقييد الأخلاقوي  الديني العقدي  التي تروج له خطابات انغلاقية وسلطوية تمتح تحجرها في الغالب من مصادر دينية وأصولية تعتقد بامتلاكها للحقائق المطلقة والأبدية.. مما يجعلها ترى جميع الممارسات التي تخرج عن مستوى النطاقات الدينية والعقدية الذاتية نكوصا أخلاقيا وجب كبحه وتدميره بشتى الوسائل  باسم الرب الذي يكره تلك الكرنفالات باعتبارها شركا ووثنية مقيتة لا تجلب إلا الرذائل والجرائم والتفسخ والإنحلال... 
وهذا هو حال بعض الجماعات الإسلامية بالجنوب المغربي التي شنت هجومات متتالية على شكل خطب منبرية ومقالات صحفية وتعليقات كثيرة على مستوى وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة، علاوة على محاولات كثيرة أيضا على مستوى بعض المجالس الجماعية التي حاول فيها بعض المحسوبون على الأحزاب التي تعتمد "المرجعية الإسلامية"  كبح الكرنفالات والدفاع المستميت من أجل منع الدعم عنها تحت غطاء انتشار الجريمة ... وما النجاح الباهر لكرنفال بيلماون بودماون في نسخته الأخيرة التي عرفت مشاركة نحو 4000 عارض، وتحويل التظاهرة نحو تبوء مكانة مهمة ضمن الكرنافالات الوطنية والعالمية إلا برهان ساطع عن فشل الأصوليين النكوصيين الذين يكرهون الفن والجمال والإبداع وجميع مظاهر البهجة والسعادة... 
والأهم من ذلك أن الكرنفال أصبح يشكل محركا أساسا للتنمية المحلية بالمنطقة بالنظر إلى الحرف التي تنتعش  بشكل كبير لتجهيز آلاف المشاركين العارضين والإنتعاش السياحي الذي يصاحب التظاهرة وما يرتبط به من نشاطات تجارية متنوعة... هذا بالإضافة إلى الإستقطاب الأكاديمي المتميز الذي بدأ كرنفال بيلماون يحظى به على الساحة الوطنية والدولية، حيث  نظمت منظمة تامينوت بشراكة مع جامعة ابن زهر ندوة دولية تحت عنوان "الكرنفال في المجتمعات الأمازيغية" يوم10 ماي 2013 بغرفة التجارة والصناعة بأكادير.
ومن الواضح أن كرنفال بيلماون بودماون الذي يتحول بخطى ثابتة نحو مصاف الكرنافالات الدولية، سيكون له شأن عظيم في المستقبل، وسيكون رافعة اِقتصادية وتنموية بالغة الأهمية بالنسبة للمنطقة ككل، وينبغي أن يكون ذلك مصاحبا بتثمين أكاديمي قوي لهذا المنتوج الثقافي المهم وبتنظيم محكم قادر على خلق فرص التنمية ولفت الإنتباه العالمي. 
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع