المقالات

الموقف من المرأة و الأمازيغية:نموذج للاستقرار في مبادئ حزب البيجيدي

 

 

ادريس رابح

بعيدا عن التفكير الشعبوي،و من خلال قراءة أكاديمية متأنية و فاحصة للتاريخ السياسي لحزب العدالة و التنمية،و استقراء لأهم محطاته و قراراته الحزبية،و مواقفه المتخذة تجاه مجموعة من القضايا المصيرية للبلاد،سيتضح جليا أنه حزب  يفتقر فعلا إلى مرجعية ثابتة و هوية فكرية و اديولوجية واضحة تحكم عمله السياسي،و تضمن له التقييم المستمر لقراراته و مواقفه،وترسم له حدود التدخل و الاشتغال و المناورة السياسية،و تكون بمثابة نبراس يوضح ما له و ما عليه في علاقته بباقي المكونات المؤثثة للمجتمع المغربي،و قد يبدو هذا الاتهام مجاني مجانب للصواب في نظر البعض،خاصة و أن البرايديغم الطاغي في أدبيات كل مكونات الحزب و المتعاطفين معه يغلب عليه الفكر التبريري و تقمص عقلية المظلومية،و اعتبار كل انتقاد أو اختلاف معه مجرد مؤامرة تحاك ضد الحزب،الأمر الذي يفوت عليه إمكانية تقويم و تعديل سياسة الحزب و اليات اشتغاله.

 

يتحدد الإطار العام للعمل السياسي الحزبي في الدول الديمقراطية،بوجود هوية تتطبع بخصوصيات الحزب،و تميز سياسته عن باقي التنظيمات،و من خلالها يتم مقاربة المشاريع المجتمعية و المستجدات في الحياة العامة،و من خلالها كذلك يتم اختيار البرامج الانتخابية و الدفاع عنها لكسب أصوات المترشحين،و بناء عليها أيضا يتم محاسبة الحزب أمام الرأي العام و أمام مقتضيات الدستور،و بالتالي يتحقق ما يمكن تسميته باستقرار و ثبات توجهات الحزب و وضوح خطه السياسي.

و للحكم بموضوعية و تجرد على سياسة حزب العدالة و التنمية،يجب أولا استحضار مجموعة من المعطيات التاريخية،ترتبط بالمرجعية الفكرية لنخبته الحزبية الحالية قبل انخراطها في العمل السياسي وفق القواعد التي سطرها النظام،ثم تلك المعطيات التي ترتبط بحيثيات تأسيس الحزب نفسه و مساءلة مدى ولائه للمخزن و مدى صحة الاراء التي تعتبره حزبا اداريا يؤدي الوظائف المحددة له سلفا.حيث أن القفز عن هذه المعطيات و تجاهل أهميتها في التحليل و إصدار الأحكام لن يقدم صورة صادقة عن منهجية الحزب،و من ثم عدم تقديم إجابات مقنعة عنه،خاصة إذا أضفنا إلى ذلك أن الحزب ليس له باع كبير في السياسة سواء بممارسته للمعارضة أو وصوله إلى الأغلبية الحكومية كانعكاس مباشر لرياح الربيع الديمقراطي.

و كما لا يخفى على أحد،فقد انخرط أغلب الكوادر المؤثرة في السياسة الراهنة للحزب،في الأنشطة الدعوية و السياسية داخل الحركات الإسلامية،و داخل تنظيمات شكلت إلى وقت قريب مصدر قلق للنظام،من خلال مواقفها التي شكلت في بعض الاحيان تهديدا للثوابت،و قد حدث تحول كبير في مبادئ هؤلاء بقبولهم العمل الحزبي ضمن الحدود التي يرسمها المخزن،بل قد أبانت كرونولوجية الاحداث السياسية بالمغرب و ممارساتهم الحزبية عن تغير مستمر في مواقفهم حتى داخل الحزب مع مرور الوقت،رغم أن تاريخ الحزب حديث العهد بالمقارنة مع باقي الأحزاب،فإن وثيرة الإنتقال من موقف إلى نقيضه لا يمكن تفسيرها بناء على مقتضيات التحليل الاكاديمي المعتمد في الدول الديمقراطي،مما يطرح عوائق أمام الباحث،و يصعب مهمته في الخروج بخلاصات ذات طابع أكاديمية.

و لاشك أن قضايا متعددة،اخرها علاقة حزب العدالة و التنمية بحزب التجمع الوطني للأحرار قبل و بعد التحاق هذا الاخير  للأغلبية الحكومية،قد عكست اللبس و الغموض و اللاستقرار في التموقع السياسي و اتخاذ المواقف لدى الحزب الإسلاموي،غير أن أبرز تلك القضايا تتمثل في قضية المرأة و اللغة الأمازيغية.

المثال الأول يتعلق بخطة إدماج المرأة في التنمية و بإقرار مدونة الأسرة التي احتد حولها التجادب و الاستقطاب السياسي بين التيار التقدمي و الحداثي،و بين التيار المحافظ بزعامة حزب العدالة و التنمية،و الذي استمات في معارضته للمشروع بكل الوسائل بما في ذلك التظاهر و حشد الأتباع ميدانيا و إعلاميا،و لكن و مع مرور الوقت سيجد المتتبع  نفسه أمام تغير جذري في مبادئ الحزب تجاه هذه القضية،فقد انتقل الحزب من معارض شرس إلى مؤيد و مدافع عن الاختيارات التي ظل ينعتها بالمؤامرة ضد الأمة و ضد الكيان الأسري،بل سيحتار المرء عندما سيكتشف موقف الوزيرة المكلفة بالمرأة من رفع كل تحفظات المغرب تجاه أشكال التمييز ضد المرأة،لهذا يحق لنا اليوم التساؤل عما تغير فعلا حتى تتغير مواقف الحزب تجاه المرأة،و ما هي الأسباب الحقيقية وراء هذا التحول؟و هل الدوافع ترتبط بما هو ديني فقهي؟أم أن البرغماتية و الرغبة في المناصب السياسية هي الدافع الحقيقي؟

نفس التساؤل يجب طرحه عندما يتعلق الأمر بالقضية الأمازيغية،بكل أبعادها الهوياتية و الثقافية و اللغوية.فالمعلوم أن حزب العدالة و التنمية،و قبله الأذرع الدعوية التابعة له،ظلوا إلى اخر لحظة معارضين لإدماج اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية،ثم بعد ذلك اتباع سياسة التشويش عن طريق إثارة مواضيع من قبيل حرف تدوين اللغة الامازيغية ليس لسبب وجيه إلا لإرضاء قناعاتهم الاديولوجية المنغلقة،كما أنهم اعتمدوا المقاربة ذاتها و الاسلوب نفسه في معارضة ترسيم اللغة الامازيغية في دستور 2011.إذ بعدما كانوا يقاربونها من وجهة نظر تفسيرهم الضيق للدين و محاولة فرض نمط تدينهم في تعاملهم مع الأمازيغية،و بعدما سحب البساط من تحت أرجلهم بترسيم المكون الأمازيغ،لم يجدوا بدا إلا لاستغلالها في البرنامج الانتخابي الذي اوصلهم للحكومة.

ثم عادت حليمة إلى عادتها القديمة،كما يقال،و عاد الحزب إلى التشكيك مرة أخرى في بعض المكتسبات كالحرف أو ربط الترسيم بنقاش مجتمعي،و اقتسم الأعضاء مهمة إدلاء بتصريحات تتجه كلها نحو تأكيد عقلية الحزب المعادي للغة الامازيغية،و يتضح ذلك في تجاهل التنزيل الفعلي للدستور من خلال عدم سن قانون تنظيمي،و من خلال عدم اتخاذ قرارات الزامية في تسريع وثيرة تدريس هذه اللغة،و ايقاف مزاجية النواب الاقليميين،و غيرها من الأمثلة التي تبين بالواضح عدم تقدير حزب العدالة و التنمية لخطورة عدم ايلاء الامازيغية ما تستحقه من الاهمية.

يجب علينا اليوم أن نقلق على مستقبل المغرب،ما دام أن العدالة و التنمية يوجد في موقع المسؤولية و ما دام لم يغير استراتيجية عمله،و منهجية تعامله مع ملفات مصيرية للبلاد،لها تأثير مباشر على استقرار المجتمع،فهذا ليس من باب التهويل،فما سبق أن ذكرته حول اللاستقرار الذي يميز مواقف الحزب تجاه قضايا حساسة،بالاضافة إلى الوفاء لمبدأ ما أريكم إلا ما أرى و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد،سيكون له عواقب وخيمة يجب التفكير بجدية في الحيلولة دون وقوعها.  

مقال منشور في الاتحاد الاشتراكي

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع