المقالات

أسئلة المدرسة القروية المؤرقة !...

نورالدين أماد

إن المؤرق في المسألة هو الأسئلة التي يطرحها الواقع حول ساكنة الجبال،ساكنة الجبال أو الهوامش الهامشية التي تستغيث و تستنجد كل يوم عل أحد يسمعها و يشفق على حالها في ظل غياب ابسط الشروط الضرورية لعيش يستجيب لقطعة خبز تسد الرمق وتمنع من مد الأيادي لكل عابر سبيل.

إن الحديث عن ساكنة الجبل يدفعنا قطعيا للحديث عن العالم القروي الممزق و المشتتة تضاريسه و بنياته أو بالأحرى أشباه بناياته ، العالم القروي الذي فقد عوالم الازدهار و اقتصرت التنمية فيه في شق طرق ضيقةبشكل مناسباتي و استنبات أعمدة كهربائية و بنيات إدارية فارغة من معنى الإدارة.

فالتنمية المرجوة في القرى المغربية مؤجلة حتى إشعار آخرأو بمعنى أوضح يمكن القول أن واقع القرى و المداشر المنسية بعيد كل البعد عن رهانات التنمية في المغرب الحديث،و لسان حال الساكنة يقول"ألم يحن الأوان لننال قسطنا من الكعكة".

من المهم أن نتحدث عن التعليم كمؤشر رئيسي من مؤشرات التنمية ،و تكمن أهميته في كونه رافعة مهمة للرقي الحضاري في كل مجتمع كيفما كانت موارده و إمكاناته و لاسيما في مغرب يتبوأ فيه التعليم الصدارة بعد قضية الوحدة الترابية،و أضن اليوم أن الإهتمام بالتعليم يجب أن يتصدر حتى الوحدة الترابية للوطن على اعتبار أن الوحدة الترابية ستتحقق إذا نال كل طفل نصيبه من تعليم ديمقراطي يكرس مبدأ تكافؤ الفرص في أكبر تجلياته ،تعليم يربي على قيم المواطنة و التشبث بالوطنية، تعليم يحقق الأمن الغذائي والروحي ،تعليم يسعى إلى أنسنة الإنسان.

و إذا استمر الحال على ما هو عليه فالأفق لا يبشر بمغرب نام، إذ لا يمكننا أن ننتظر الشيء الكثير من فلذات أكبادنا،و ليس بإمكاننا أن نتصور أيضا مغرب العدالة الإجتماعية و الحقوق و الحريات في ظل الظروف الحالية، إن التعليم هو المخرج الوحيد من الأزمة التي نتخبط فيها حاليا و التي تزداد تمزقا يوما بعد آخر، و الصورة بدأت تفقد بريقها في ظل الظروف الحالية الهشة للقرية المغربية.    

و سأحاول في هذا المقال الإحاطة ببعض مكامن الخلل في المنظومة التربوية بالوسط القروي،من خلال نقاط مستمدة من تجربتي الفتية و تجارب أخرى لم يكتب لها أن تنكتب في سطور دالة تؤسس لأسئلة عميقة لسنا في غنى عن طرحها،فما أحوجنا للسؤال ،خصوصا إذا حمل في طياته توقيع مدرس هو الأقرب إلى واقع التلاميذ أكثر من أي طرف آخر،أتمنى أن أوفق في رسم خارطة طريق لإصلاح تعليمي ممكن ،إصلاح يتخذ المقاربة التشاركية خيارا فعليا و يستحضر واقع القرية المغربية أثناء كل خطوة يخطوها في سبيل الرقي بالمدرسة المغربية.

إذا كانت التقارير الوطنية و الدولية تدق ناقوس الخطر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ميدان التربية و التعليم بالمغرب،فإن المدارس القروية تحظى بحصة الأسد في التدني التي يشهده هذا الركود التعليمي ، هذا الركود يجد تفسيره في عدة عوامل أجيز بعضها في ما يلي :

*     بعد المدارس عن التلاميذ بأميال مائلة في طرق بعيدة و غير معبدة ، هذه الممرات الوعرة تشكل خطرا على التلاميذ لما تخفيه من وحوش حيوانية و آدمية أيضا مع ارتفاع نسبة الطفولة المغتصبة ،هذه المسالك التي تغيب فيها شروط الأمان تهدد الأطفال القرويين و تمنع الأغلبية منهم و لاسيما الإناث من مواصلة الدراسة و بالتالي مغادرة الحياة المدرسية لسوق الشغل بالمفهوم القروي للكلمة ، السوق الذي لا يوفر للطفل سوى الرعي و الحرث و جمع الحطب في ظروف أشبه ما تكون للتي يعمل فيها العبيد في القرون الوسطى المبكرة، هذا في وقت تتحدث فيه الأدبيات التربوية  عن إلزامية التعليم إلى حدود 15 سن(و هذه المسألة تحتاج إلى إعادة النظر) ، فهنيئا لأطفال قرانا اللذين يجدون العمل مبكرا في حين يبقى حاملي الشهادات مركونين في هوامش البطالة الباطلة.

*     غياب آليات فعالة لمصاحبة المدرسين حتى لا نقول مراقبتهم، الآليات العلمية و العملية التي من شأنها تتبع مسارهم المهني بشكل يمكنهم من تطوير أدائهم البيداغوجي و تزويدهم بالوسائل الضرورية لسير العملية التعليمية التعلمية على أحسن ما يرام،بالإضافة إلى إغناء رصيدهم المهني عن طريق عرض التجارب الناجحة و محاولة تبنيها تماشيا مع النظريات الحديثة في علوم التربية ، أورد هنا أحد الأطراف المصيرية في الرقي بالتعليم في بلادنا و يتعلق الأمر بمهمة المؤطرين التربويين اللذين افتقدتهم جل المؤسسات التربوية في القرى العميقة نظرا لغياب المسالك أو غياب إرادة الترحال في تجاعيد الجغرافيا المحفوفة بالمخاطر و التي تحتاج في كثير من الأحيان لساعات طويلة ركوبا على سيارة مهترئة أو على الدواب أو حتى مشيا،إذا كان واقع الحال كذلك فلا بد للدولة أن تفكر في تزويد قرانا بمسالك آمنة و تعبيد طرق الخطر حتى يتسنى لمفتشينا القيام بمهامهم ، دون أن ننسى في آخر المطاف ضرورة تكثيف التكوينات التي تستهدف الأسرة التعليمية بالوسط القروي الذي يختلف عن نظيره في الحواضر،الغاية من هذه التكوينات تمكين الأستاذ من ميكانيزمات التكيف مع خصوصيات الدواوير بالوسط القروي ، خصوصا المدرسين القادمين من المركز بنظام مناعتي هش، وفي غياب هذا النوع من المصاحبة فما على المدرسين المعنيين سوى الإنتظار و على الوزارة الوصية تحمل مسؤولياتها في ما تؤول إليه أوضاع المدرسين بالعالم القروي من حوادث سير إجتماعية  بتعبير الأستاذ عبد الرحيم العطري.          

*     توفير الشروط الضرورية للمدرسين من خلال تمكينهم من سكن لائق يسجيب لمعايير الصحة و السلامة بدل بحثهم عن أطلال مهجورة لا توفر حتى المرافق الصحية كحد أدنى من ضروريات الإستقرار، و في غياب التفكير في هموم المدرس بالوسط القروي فمعاناتهم مع السكن ووسائل النقل  تزداد تدريجيا ، و بالمقابل ننتظر منه أداءا بيداغوجيا لا يتناسب و شروطه المعيشية القاسية.

*     في الوقت الذي تزود فيه البرامج التعليمية  تلاميذ القرى المنسية بمفاهيم التربية الحقوقية و أخص هنا بالذكر برامج التربية على المواطنة فإن وزارة التربية الوطنية  و من تم الدولة نسيت أنها دخلت في تناقض غريب سينتج بدون أدنى شك جيلا منفصم للشخصية ، فالازدواجية التي يعيشها المتعلمين بين الخطاب - الدروس المقدمة – و الواقع المعيش تبرز بجلاء أن المدرسة في واد و المتعلم في واد آخر،فلا يمكن لكائن بشري متمتع بكامل قواه العقلية أن يتصور تعليما فعالا تحت مظلة الفقر و الهشاشة ،فأي أهداف تعليمية ننتظر من متعلم محروم من وجباته اليومية، و أي كفايات سيكتسبها طفل قضى في طريقه إلى المدرسة نفس المدة التي يقضيها القطار بين مراكش و الدار البيضاء، و أي مهارات سيتزود بها طفل  يعرف المستشفى من خلال الصور فقط، لهذا لا يجب أن نستغرب لحال التعليم في بلادنا و لا يجب أيضا أن ننتظر تحقيق نتائج تسر البلاد و العباد، فالحاجات الإجتماعية في هرم ماسلو، و منها الحاجة إلى التعلم، تسبقها حاجات فسيولوجية و على رأسها التغذية المتوازنة و الصحة السليمة من أسقام مردها الفاقات الغذائية بشكل من الأشكال و المناخ القاسي في أعالي الجبال الذي لا تستجاب قسوته بملابس تقي الطفولة من لسعات الزمهرير و لا بأحذية تقيهم شر العقارب و الأفاعي الصيفية السامة ،خلاصة الكلام أوردها بلغة مولييرAprès le pain ,L’éducation est le premier besoin de l’Homme .

*     ليس غريبا أن نسمع اليوم عن مدارس لا تعرف القيم سوى في القطع النقدية المدرسة في مقرر الرياضيات  للسنوات الأولى من التعليم الإبتدائي،عن أية مواطنة نتحدث في غياب المرافق الصحية، و العدة الديداكتيكية اللازمة لإكتساب المعارف و المهارات،دون أن ننسى الإشارة إلى مدارس قروية غير مزودة بالماء والكهرباء كأقل ما يجب توفره في مؤسسة تربوية و تزداد هذه المعاناة في فصل الشتاء حيث يبذل المتعلمون جهدا كبيرا للتركيز في ساعات المساء المتأخرة.

*     إذا كانت البيداغوجيا الفارقية تسعى لتنويع الأنشطة لتمكين كل متعلم على حدا من مسايرة ركب الفصل الدراسي ،فإن هذه البيداغوجيا لم تنل حظها في مدارسنا القروية مع توحيد البرامج الدراسية للأنشطة و حتى لو إفترضنا أن المدرس هو الذي من شأنه إقتراح الأنشطة التعليمية فالوقت لا يسمح له بحرية التصرف و هنا أعتبر تدبير الزمان في المدرسة أكبر تعسف على الطفل المغربي ،هذا دون أن نتحدث عن فئة ذوي الإحتياجات الخاصة  لافتقار المدارس لقاعات مندمجة تستقبلهم، إضافة إلى افتقار المدرسين للآليات اللازمة لتمتيع الفئات المذكورة من أحد الحقوق التي لا تستقيم الحياة في المجتمع بدونها،ألا و هو الحق في اكتساب تعليم راق يفتح له آفاقا نيرة ،للسير قدما نحو عيش أكرم كرامة.

*     المقررات لا تراعي الخصوصيات المحلية و تقدم في كثير من الأحيان معارف لا تتناسب و القدرات الحس-حركية للتلاميذ، فما جدوى تلقين تلاميذ الجبل نص شعري بعنوان جامعة الأخوين إن كانوا بعيدين كل البعد عن تخيل الولوج إليها و لو في الأحلام  ، و ما الأهمية من تدريس درس الإنسان البدائي لأطفال لا زالوا يسكنون الكهوف و المغارات، أ وليس ضربا من العبث أن يدرس تلاميذ المدرسة الإبتدائية عن وصول الفينيقين و القرطاجيين إلى شمال إفريقيا بطريقة شبه أكاديمية في حين أنه يحتاج إلى دراسة قضايا تاريخية مهمة بطريقة تمكنه من إستيعاب المضمون و أخذ العبر من التجارب الماضية.   

*     لا زال المستوى السادس إبتدائي يجهض أحلام الكثير من ألأطفال الطامحين في الولوج للإعدادية مثل أقرانهم في الحواضر و أشباه الحواضر،فإلى متى تكون "الحضيرة" عائقا أمام الحضارة؟ أورد هنا مصطلح الحظيرة ليس تشبيها للقرويين بالبهائم أو إنتقاصا من قيمتهم،إن بيت القصيد في هذا التشبيه يجد شرعيته في كون القرية المغربية اليوم لا زالت عاجزة عن تقديم أجوبة شافية للرهان التنموي لمغرب الحقوق و الحريات،فهي لا تستجيب لقوانين الطبيعة الساعية للتطور و مسايرة العصر، و هي في حركة أقرب منها إلى السكون،ليس تشاؤما فمجرد رصد أولي لبعض ملامح الفشل في مدرسة النجاح يؤكد بصراحة أن نفس  المدرسة قبل عشرون سنة تعيد إنتاج نفس اسباب الهدر المدرسي و الإنقطاع المبكر عن فصول الدراسة،و تعيد نفس التلاميذ العاجزين عن الولوج لسوق الشغل و اكتساب مهارات و كفايات التكيف مع المحيط السوسيوثقافي .

في الختام :

إن الواقع الحالي للمدرسة في الوسط القروي لازال يترجم قولة القرية في خدمة المخزن وليس العكس،فإن أرادت الدولة حقا أن تحقق تنمية بشرية بمفهومها النبيل فلا بد أن تكرس حيزا من أوراشها لصالح القرى المغربية لان مواطنيها يعانون في صمت و تلاميذها يطمحون إلى تعليم يوفر لهم جميع الشروط الإجتماعية الإقتصادية و الثقافية.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع