المقالات

العدالة و التنمية بدون حقيبة

 

خميس بتكمنت

كانت الأيام السبع الأخيرة حافلة و مميزة بكل المقاييس ، إذ أبانت عن مدى العبث السياسي الذي يعيشه بلد الإستثناء ، فبعد أشهر من الترقب و الإنتظار تم الإعلان في منتصف الأسبوع المنصرم عن النسخة الثانية من حكومة عبد الإله بنكيران التي أعلنت عن ميلاد تجربة سياسية جديدة يسودها العبث و التهور السياسيين بتعطيره بشيء من الإعجاز السياسي بعد توفيق بنكيران في نجاحه الباهر بإستنساخ التمساح السياسي في مختبر المخزن و تحويل جيناته إلى حمامة زرقاء لا تسر الناظرين ، و الحدث الثاني الذي يستوجب الوقوف إليه  بتأن أيضا هو الخرجة الإعلامية لرئيس الحكومة التي فسر من خلالها نظرية العبث للعيان من خلال إقحام عنصري التناقض و الإستحمار في خطابه و تهربه من تحمل مسؤولية الفشل و الهروب من إعلان عدم قدرته على المسايرة بعد تكبيل سلطات الحكومة التي لا يتعدى دورها دور الإستئناس و فقط  .

1 _ حول النسخة الثانية من الحكومة

جاءت النسخة الثانية من التعديل الحكومي لتكليل العبث الذي يؤثث المشهد السياسي و لتكريس أزمة سياسية بنيوية مرتبطة بسقف الهرم السياسي الناتجة عن فراغ مؤسساتي لما يزيد عن ثلاثة أشهر من حكومة الأقلية السائدة بعد إنسحاب التيار الإستقلالي من تكتل الأغلبية الذي أعقبه بغزوة الحمير لإضفاء طابع الحيوانية على المشهد السياسي و تمريغه في تراب النتاتة السياسية .

أعتقد جادا أن إنسحاب الإستقلاليين كان جزءا من خطة مدروسة بعناية مندرجة ضمن مخطط كبير يسعى إلى خلخلة آخر ما تبقى من ماء وجه الإسلاميين الذين جيئ بهم كحل مؤقت لتجاوز مرحلة الإستثناء التي عاشها الشارع السياسي في 2011 ، من أجل إضعاف الحراك السياسي بالشارع أولا بعد إحراج العدل و الإحسان التي كانت حاضرة بقوة لإرغامها بالإنسحاب من الشارع قصد إعطاء فرصة لإخوانهم في المرجعية الإيديولوجية لقيادة حكومة يناير 2012 ، و مع توالي الأيام و الشهور ظهر القنديل السياسي عاريا من صورته المثالية التي إتصف بها أيام المعارضة ، بعد تراجعه عن وعوده السابقة و تنكره لمواقفه هنا إستطاع النظام المخزني أن يجعل البواجدة في مواجهة مباشرة أمام الشعب ، فلا معدل النمو إرتفع و لا نسبة البطالة إنخفضت و لا الأسعار بقيت على حالها و لا نحن عايشنا السلم الإجتماعي و لا عانقنا حرية في إبداء الرأي بعد كثرة التدخلات الامنية وفق مقاربة صارمة جعلت من الزرواطة حلا رئيسيا للتعامل مع الإحتجاجات و من الإعتقال السياسي سبيلا للتخلص من أية كلمة حرة تطالب بحرية الشعب و تغليب مصلحة الوطن على الأنا السياسية .

كانت النسخة الأولى من الحكومة بمثابة المسمار الاول المضروب في نعش البيجيدي ، بعد تغليب الشعبوية على الحنكة و ظهور الأغلبية ككيان سياسي مشتت يقبل الطرح و الضرب و القسمة و لا يقبل الجمع ، و بوصول الوضع السياسي إلى أقصى مراتب القتامة أعلن شباط إنسحابه الشهير لتبقى الحكومة لتصريف الأعمال و معرضة للسقوط في أية لحظة ، هنا إبتدأ تنفيذ الجزء الثاني من مخطط السلطة لإعدام القنديل السياسي ، إذ إنكشف السيد بنكيران على حقيقة أخفاها مرارا و هي تسبيق المصلحة السياسية على مصلحة الوطن و لم يجد ما ينقذ به إستمرارية حزبه في الحكومة إلا بمغازلة أعداء الأمس الذين كانوا جزءا من التماسيح و العفاريت الفاسدة و المفسدة التي نهبت الوطن و عرقلت عجلة التقدم على حد تعبيره ، لذلك فإستقدام التجمع الوطني للأحرار هو ردة سياسية للإسلاميين على مبادئهم و إستحمارا للشعب الذي صدق بصدقية النية الحسنة للبواجدة و صلاحهم  بعد أن ظهروا بعد النسخة الثانية في صورة اللاهثين حول المصلحة السياسية و الذاتية بضرب تطلعات المواطن عرض الحائط غير آبهين .

كل ما سبق يوحي لنا أن الفاعل السياسي الوحيد أراد تمرير رسالة غير مباشرة مفادها أن جميع الأحزاب كيفما كانت توجهاتها و مرجعياتها تلتقي في نقطة الخضوع و الخنوع للقرارات العليا المخفية و لا يتعدى دورها تطبيق الأوامر بكل حذافيرها و أن العبث السياسي هو سيد الموقف بعد شل قدرات جميع المؤسسات السياسية الإستئناسية التي خلقت لتأثيث المشهد و إضفاء طابع الرونقة عليه ليس إلا ، أي أن المخزن العتيد يفعل ما يريد وقتما يريد و لا يجادله أحد في ذلك ، فالنسخة الثانية أبانت عن قدرة أحزاب القصر في إفشال أية عملية سياسية و أن صناديق الإقتراع ما هي إلا مجرد تمثيلية هزلية تجعل السراب حقيقة في مُقَل مغشيي البصيرة  بعد تمكن التقنوقراط التسع من الإستحواذ على وزارات السيادة بجانب الحمامة التجمعية ، و حظي التقدم و الإشتراكية و الحركة الشعبية بنصيبهم من الغنيمة السياسية من الوزارات الحساسة ، و بقيت العدالة و التنمية رئيسة للحكومة بدون حقيبة و هذا ما سيسهل مأمورية حكومة الظل في إحكام السيطرة على حكومة التوازي المشلولة ،فهندسة المقاربات الامنية ستكون أكثر سرية و تعاليا عن أي دكان سياسي و الخارجية المزوارية ستكون إمتداد لدبلوماسية ياسين المنصوري و من معه و المالية ستكون في قبضة اللوبيات المقربة من هرم السلطة أكثر و سيتكتفي العدالة و التنمية بوزارة الإتصال لتكون بوقا ناطقا بإسم هؤلاء .

2_ حول التصريح الصحفي الأخير لبنكيران .

بالتعمن في دلالات الخرجة الإعلامية الأخيرة للسيد عبد الإله بنكيران التي أعقبت التعديل الحكومي يمكن تسجيل الملاحظات التالية :

_ تغليب الطابع الإنشائي على الاسلوب السياسي لدى بنكيران من خلال الإستغراق حول الدوران عن شكل الأسئلة دون التعمق في المضامين و هذا يؤكد عدم إطلاعه عن الحيثيات و التفاصيل الدقيقة المرتبطة بحكومته ، و تغليب طابع النرفزة على الهدوء في النقاش الذي كشف سيكولوجية الشخصية المستبدة لدى بنكيران .

_ظهور الأنانية المفرطية لدى بنكيران من حيث إستناده لضمير " الأنا " و إدعاءه الإلمام بكل شيء دون إعطاء الاجوبة الشافية بل و تعمده إخفاء المعلومات عن الشعب ( خصوصا بعد سؤاله عن مغادرة العثماني لوزارة الخارجية قائلا أن هنالك تفاصيل لا يمكن الكشف عنها ) .

_شخصنة الفشل الحكومي في صراعه مع شباط و إغفاله الإشارة إلى القوة الضاغطة و الخفية التي تتحكم في سياسة التدبير الحكومي و إقراره أن الهندسة الأمنية خارجة عن النقاش الحكومي بدليل إعترافه بإستحالة تحمل أي حزب لحقيبة الداخلية .

_تناقضه الصارخ في كثير من الأحيان بعد  ثناءه على محمد الوفا و مجهوداته في وزارة التربية الوطنية الذي يناقض خطاب 20 غشت الذي إنتقد سياسة الحكومة في مجال التعليم ، و كذا إفتخاره بالمقاربة الامنية التي قال أنها إستطاعت فض مجموعة من المظاهرات و الإحتجاجات و حمد الله على ذلك في الوقت الذي كان عليه أن يعتذر لمن طالهم بطش قوى القمع  وتناقضه في الحديث عن علاقته بالملك و عدم تدخل هذا الأخير في حيثيات المفاوضات التي سبقت التعديل الحكومي و هنا يطرح السؤال : إن لم يكن هنالك ضغط ممارس فلم تم تعيين تسعة وزراء لامنتمين على رأس وزارات السيادة  .

_ إعتماده على أسلوب السرد و إغفاله للغة الأرقام فيما يخص المعطيات المتعلقة بالإقتصاد و نسب النمو و التضخم و الديون الخارجية و القدرة الشرائية  . 

_نهره للصحافيين و مقاطعتهم بل حتى إستصغار أسئلتهم هو تأكيد لسياسة الدولة القامعة للإعلام و الرأي المخالف الصحفي و إزاحة لإرهاب الدولة المسلط على الصحافة الحرة الذي كان آخره تلفيق التهمة الواهية لعلي أنوزلا و محاولة محاكمته وفق قانون الإرهاب .

_ قيامه بمجموعة من السلوكات التي تبرز قلقا نفسيا ناتج عن قمع البوح من قبيل حك الأنف لأكثر من مرة و شربه من كأس الماء مرتين دون البسلمة و هذا سلوك يتنافى مع مواعظه الإرشادية المستمرة .

_ إستحماره للشعب المغربي بعد تأكيده ان لا حرج في مشاركتهم الحكم إلى جانبه و هم كانوا بالامس القريب جزءا من التماسيح و العفاريت و أعداء الإستقرار حسبه في أكثر من مناسبة ، بل الأدهى هو قوله أن تصويت التجمع الوطني للاحرار  ضد البرنامج الحكومي من قبل غير ملزم الآن مادام في جانب الأغلبية و هذا يطرح أكثر من تساءل عن عبثية المشهد السياسي و معنى الحياة السياسية البناءة إن كانت المواقف الحربائية جزء من العملية السياسية .

خلاصة القول أن النظام السياسي المخزني إستطاع تكبيل لعدالة و التنمية و جعلها في موقع تسلل سياسي لا قوة لها بتاتا ، و أن الخطة المخزنية الهادفة إلى مسايرة القنديل السياسي حتى يرفع أياديه و يعلن فشله بنفسه سارية المفعول فهو يتحمل مسؤولية سياسات فوقية و يلعب دور حائط صد عن إخفاقات سياسة الدولة لكي لا يذكر المسؤول الحقيقي بالإسم بعد تأكد هرم النظام أن إقالة الحكومة سيعطي حافزا للبواجدة للعودة للمعارضة بقوة و إرتأى أن الحل الناجع هو الزج بهم إلى فوهة المواجهة المباشرة مع الشعب لإظهارهم كبيادق متحكم فيهم و ان شعاراتهم السياسية ليست إلا ترويج لوهم زائف .   

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع