المقالات

مراكش ، مطبخ القرارات‎

 وصفت مراكش بأنها المدينة الحمراء، الفسيحة الأرجاء، الجامعة بين حر وظل ظليل وثلج ونخيل بل شاهدة على حضارات عريقة في شمال أفريقيا ، وظلت في عهد الامبراطوريات المغربية عاصمة المرابطين والموحدين والسعديين ، بل ظل إسم مراكش ، قائمة في مخيلة الغرب ، دون المشارقة ، فأصل الاسم امازيغي ،  " أمور نواكش"، مركب من كلمتين 'أمور' و 'أكوش' أي أرض الله  ،  ورغم  استبداله  باسم  " المغرب" ، فان الثقافة الغربية مازالت تحتفظ بالإسم الأصلي للمغرب  تحت مسمى " Maroc "أو  Morocco ، لدى فالمغاربة  تعرضوا  معربين كرها بداء بتغيير اسم بلدهم الأصلي ،

فصلتهم بالمشارقة ، أكبر بالمقارنة مع ثقافة الغرب الأقرب الى المغاربة ، لن نخوض كثيرا في موضوع مراكش، وقصتها مع العرب،  و  حكاياتها المشوقة عن سبعة الرجال، و يوسف بن تاشفين ، وقصة اعتقال المعتمد بن عباد ، ونبوغ القاضي عياض ...، بل نريد أن نتحدث عن مراكش اليوم ، وماذا تمثل  في مخيلة السياسي  والاقتصادي والفني ، فالمدينة  اليوم أصبحت  ملاذا لكل المشاهير ورؤساء الدول في العالم ، الى درجة أن " جامع الفنا" ، أصبح رمزية للمدينة ، كأن أصحاب القرار بالمغرب اليوم  يريدون أن يقولوا للمغاربة ، أن يغضوا أبصارهم عما يجري في المدينة ، فهي مدينة   من اجل السياحة  فقط ، وان "الحلقة " أهم من الحديث عن  مسجد الكتيبة ، وقبر يوسف بن تاشفين ، لكن تبقى  مراكش أيضا ، مطبخ للقرارات السياسية ، فإذا ما تتبعنا  بعض الأحداث الآنية  التي رافقت صالونات وإقامات مراكش ،  لاستوقفتنا مجموعة من الملاحظات، سنقتصر فيها عن ذكر بعضها المثيرة ومنها :
الملاحظة الأولى :  فهي التي شيد فيها الراحل الملك الحسن الثاني قصر المؤتمرات ، وعقد فيه أول اجتماع من اجل بناء اتحاد " المغرب العربي" ، وهو حدث جدير بالتذكير ، حيث أعلن قادة الدول الخمس  قيام" اتحاد المغرب العربي" يوم 17 فبراير 1989 ، وإذا ما تمعنا النظر في الصورة الجماعية  لأولئك القادة  بمدينة مراكش وهم يلتقطون صورتهم التاريخية  ،  وبحثتا عما تبقى منهم بعد ذالك  ، يظهر أن لا احد منهم  يقبض بزمام السلطة اليوم ،  فهناك من قضى نحبه كالرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد ، الذي قدم  استقالته من منصبه كرئيس للبلاد، عقب إلغاء الانتخابات البرلمانية عام 1992 التي كانت جبهة الإنقاذ الإسلامية قد فازت بأغلبية المقاعد فيها بالجولة الأولى منها، قبل أن يلغيها الجيش بضغوط من الغرب ما جعل البلاد تغرق في حمام دم ضمن ما أصبح يعرف بالعشرية السوداء. ،والراحل الملك الحسن الثاني ،الذي كانت له جرأة الاعتراف بكون السكتة القلبية تهدد المغرب ، لذالك سارع الى التغيير وهندسة  حكومة التبادل ،وفي السابع من شتنبر من العام 2007 ، تجسدت هذه السكة  القلبية  في العزوف عن المشاركة السياسية وهجر صناديق الاقتراع ،  وتشكل الفراغ المؤسساتي والذي لم يستطيع أية إيديولوجيا أو خطاب متطرف ملئه ، وبالتالي فإن المخزن  هنا قام  باستغلال قانون الإرهاب الذي يحارب به ، كي يجعل منه ذريعة  لبناء  أحزبا إسلامية  برخصة مخزنية ، تحسبا  لكل طارئ ومن ضمنه ثورة 20فبراير 2011 . ومن هؤلاء  الزعماء  أيضا  الهاربون منهم ، كمعاوية ولد سيدي حماد الطايع رئيس موريتانيا، الذي  فر الى قطر،  بعد  أن  الانقلاب عليه ،  من طرف صديقه ولد محمد فال الذي كان مخلصا لولد الطايع طيلة عشرين عاما انقد خلالها حكمه من  السقوط مرات عديدة كانت أخرها  انقلاب صالح ولد حنانا عام 2003، ومنهم زين العابدين بن علي الذي هرب الى السعودية بعد الثورة التونسية، والتي تعرف أيضًا بثورة الحرية والكرامة أو ثورة 17 ديسمبر أو ثورة 14 جانفي أو ثورة الياسمين، بل منهم من قتل كمعمر القدافي على  يد ثوار ليبيا  يوم ذكرى تأسيس مشروعه القومي  بمراكش في 17 فبراير 2011 ، الذي ظل حبرا على ورق وهو بالمناسبة   تاريخ إعلان ثورة شعب ليبيا ، وهنا نتسأل عن هذا التاريخ بالتحديد ،  هل شاءت الظروف أن يكون يوم 17 فبراير هو القاسم المشترك بين مشروع القومي للقدافي من خلال " اتحاد المغرب العربي" الذي ظل حبرا على ورق وبين 17فبراير تاريخ  تحرير شعب ليبيا ؟  ، أم أن الأمر خطط له انطلاقا من مراكش ، وان مفهوم " المغرب العربي" ، غير ممكن مع تيار الوحدة العربية الذي يتزعمه القدافي  ، مادام أن هناك  نظرة أخرى  للمغرب الكبير في ظل " الفوضى البناءة" التي اقر بها بوش الابن  الرئيس الأمريكي الأسبق  ، وتحتم على الرئيس الحالي اوباما على  الاستمرار عليها  في ظل أزمة اقتصادية عالمية خانقة .
الملاحظة  الثانية ، وترتبط بحدث هو الأخر  لايقل أهمي ذو بعد استراتيجي أيضا ، يتعلق الأمر باستقبال المغرب في ظل أزمة الشرق الأوسط ،  لما عرف ب " أصدقاء سوريا" بمراكش يوم  12  ديسمبر 2012 ، والمثير في هذا الإجتماع ذو الطابع الاستعجالي لدعم الائتلاف المعارض ضد رئيس سوريا بشار الأسد ، هو غياب وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون  التي دشنت مقر سفارة بلادها بالرباط ، وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت، أن"هيلاري كلينتون" لن تشارك في الاجتماع، بسبب وعكة صحية ألمت بها، وسينوب عنها مساعدها "وليم بيرنز". ، حيث عوضها بعد ذالك وفي أشهر  قليلة ب جون كيري وزيرا للخارجية الأمريكية ، هل هذا التغيير وبالأحرى غياب هيلاري كلينتون ، في مراكش ، ألم يكن إشارة مسبقة  لتصور أمريكا للوضع في سوريا قبل اتخاذ موقف التراجع  عن دعم الجيش الحر في سوريا ضد نظام الأسد ؟؟.
الملاحظة الثالثة : وهي تلك المرتبطة بالانقلاب العسكري على نظام مبارك الرئيس المخلوع في مصر ، حيث كانت مراكش حاضرة  في الحديث عن انقلاب عسكري أثناء زيارة مبارك للمغرب سنة 2006، حيث ذكرت آنذاك جريدة الأسبوع الصحفي ، أن المغرب لم يستقبل في مراكش ، الرئيس حسني مبارك ، كما عهدناه ، ونقلت عن جريدة "المصري اليوم" ، أن الرئيس كان جد متاترا بما ورد عليه وهو على مثن الطائرة، وهي تتحدث لأول مرة  في حياة الرئيس مبارك وفي غيبته عن " إمكانية قيام انقلاب عسكري" ، مستشهدة بكلام  الصحفي حسنين هيكل في استجواب أجرته  معه الجريدة التي تتحدث عن الانقلاب العسكري وفيه قال هيكل " انه لاتوجد دولة في مصر". وفي الساعات التي كان فيها ينزل الرئيس بمراكش كان القضاة قد احتلوا وسط القاهرة ، ونظرا لما للقضاة  من قوة ومصداقية في مصر ، لدالك لم يكن حسني مبارك ، مهيئا نفسيا  لترأس حفل العشاء الرسمي  الذي كان مقررا بجانب الملك محمد السادس والذي كان مقررا بحضور المدعوين العاديين من وزراء وشخصيات  وضباط وسفراء ، فاقترح حسني مبارك إلغائه  ليفاجاء في اليوم الثاني ، بإقدام كل الصحافة اليومية المغربية  إلا اتنتان  على وضع خبر وصوله في الصفحات الداخلية ، بل أن ثلاث يوميات مغربية ، لم تتحدث عن وصوله إطلاقا الشئ الذي ازداد استفحالا  عندما أقام  الحقوقيون  المغاربة وقفة احتجاجية على زيارة الرئيس المصري للمغرب ، تضامننا مع القضاة المصريين .
 وبمجرد وصول الرئيس المصري الى مراكش أداع البيت الأبيض ما سماه بأن ( بوش وجه توبيخا حادا لمبارك نتيجة معاملاته مع المظاهرات ، وأضاف أن  صبر بوش سينفذ(...)،  زيارة  الرئيس الأسبق حسني مبارك أيضا صادفت وجود الرئيس الأسبق للجزائر بن بلة  وسجل فيه تصريحا قال فيه : انه كان سباقا الى اقتراح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية ، وانه يرفض فكرة التقسيم  " استجواب مع رئاسة الأمة 15/5/2006"، بالمقابل   رفض الناطق الرسمي باسم الرئيس مبارك إعطاء رأيه حول المشروع المغربي للحكم الذاتي " القدس عدد 13 ماي 2006" ، وكان البيان المشترك المصري المغربي ، يؤكد على صيغة اقرب ما تكون الى الصيغة الجزائرية  ، ويقول البلاغ المصري المغربي بالحرف " أيد الرئيس مبارك وجلالة الملك الجهود الذي يبدلها المجتمع الدولي  تحت إشراف الأمم المتحدة  من اجل التوصل الى  حل سلمي ونهائي  للقضية الصحراوية " .
 
  إجمالا،  قد نكون  نسينا أحداثا أخرى ،  لكن على العموم تبقى هذه الملاحظات  عداد يقيس احتمالات ما سيقع ، ويبين أن كلاما لامحالة قيل في صالونات مراكش ، بل تفسيرات عدة يمكننا أن نستوعبها ، خاصة وان مراكش اليوم يقيم فيها الرئيس الأسبق الفرنسي نيكولا ساركوزي ، وآخرون ،....، فكل اجتماع فيها ، وحديث عبرها له دلالات إستراتيجية، ومنه مستقبل الصحراء  الماروكية.
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع