المقالات

“مثير للجدل”

 

 

رجاء بن سلامة 

كلّ من يدافع في بلداننا عن الحرّيّة باعتبارها هدفا حيويّا أسمى يعتبر “مثيرا للجدل”. اعتبارها هدفا حيويّا أسمى يعني عدم تقييدها بالمخاوف المتأتّية من عالم “الهويّة” أو الأصالة أو الخصوصيّات الثّقافيّة، وهي كلّها أسماء حديثة لأعراض رفض المصير والعجز عن الانعتاق من الأصل. لا حدّ للممكنات الإبداعيّة لهذا الكائن العجيب الذي يسير على قدمين وينظر إلى الأفق، ويواصل الابتعاد عن قيود البيولوجيا منذ مئات الآلاف من السّنين. وقد كانت للعفيف إنسيّته الخاصّة التي تجعله يحلّق في الأفق الرّحب للإنسان ذي الفكر واليد، وهو يحلّل مظاهر البؤس الأصوليّ في أخصّ خصوصيّاته الثّقافيّة

فتحت ويكبيديا بالأمس، لأتثبّت من بعض تفاصيل حياة العفيف، لأنّني كنت أريد تقديم لوحة عن حياته. فوجدت هذه العبارة : “هو مفكر تونسي مثير للجدل انقلب من أقصى اليسار إلى الليبرالية.” 
هكذا اختصرت الموسوعة الشّعبيّة حياته واختزلتها. لم تنتظر آلة الرّقابة والحصار طويلا بعد موت العفيف، حتّى تضع هذه اليافطة المنفّرة للرّاغبين في معرفته. الرّقابة اشتغلت قبل موته، فمنعته من الكتابة والظّهور في الكثير من المنابر، وها هي تسدل عليه خيوط القولبة والتّجميد إثر موته.
هكذا عدلتُ عن مشروع صياغة ترجمة للعفيف، لأتحدّث عن آلة الرّقابة، لأنّني أخشى أن تفتكّه منّا كما افتكّته يد الموت.


آلة الرّقابة كما عرفتها وخبرتها وكتبت عنها شبيهة بعنكبوت تعمل في صمت وتجرّ ضحيّتها إلى الأركان المنزوية، لكي تلفّها بخيوط النّسيان أو تضع فوقها شاهدة قبر تختطف الشّاهدة التي أرادتها لنفسها. ماذا كان يريد العفيف أن يكتب على قبره، لو اختار أن يكون له قبر؟ لا أدري، ولا أسمح لنفسي بهذه الوصاية. لكنّني أعرف أنّه كان يدافع دفاعا مستميتا عن الحرّيّة والمساواة.


كيف نفتكّ العفيف من خيوط الرّقابة بعد موته، بعد أن صارع النّظام العربيّ الرّسميّ قبل موته؟ بعد أن أطردته الصّحف التي تموّلها ممالك الصّمت، فلم يجد ملاذا إلاّ في شبكة العنكبوت، أقصد العنكبوت الأخرى التي نرتحل في متاهاتها بحرّيّة : في موقع إيلاف ثمّ الحوار المتمدّن والأوان... شبكتان لعنكبتين مختلفتين عرفناهما، أريد أن أقول، بكلّ تواضع، عرفناهما معا : هذه ملاذ من تلك.

في هذا الملاذ الافتراضيّ من الرّقابة ومن المشهد الرّسميّ ومن “المحترم سياسيّا” تعرّفت على العفيف، بعد أن كانت تصلني أصداء عنه وأنا طالبة بالجامعة، أصداء لأمور لم أكن أفقهها، عن بيان الحزب الشّيوعيّ، والمجالسيّة والتّسيير الذّاتيّ المعمّم... ثمّ جمعنا موقع الأوان ورابطة العقلانيّين العرب، وكان آخر عهدي به في مؤتمر عقد بروما في جانفي 2013. حدّثني آنذاك عن كتابه الجديد، وعن مسابقته الموت لإتمامه. كان يتحدّث عن موته كما لو تعلّق الأمر بموعد عاديّ للسّفر أو لقضاء حاجة. كان الموت في كلامه بمثابة تفصيل بسيط من تفاصيل الحياة اليوميّة. ثمّ تحدّثت معه في الهاتف ليلة رحيله. كان ما يريد أن يقوله أهمّ بكثير من العوائق الآتية من عالم الفناء. كان يسابق انقطاع صوته وحركته، فيسرع بالفكرة الأهمّ، ثمّ يبقى متّسع من الوقت والحياة لفكرة أقلّ أهمّيّة، وهكذا... كان صوته أقوى من سكون الموت.

كان النّقاش في تلك النّدوة التي انعقدت بروما بين مثقّفين عرب وأوروبّيين. أثيرت مسألة قانون تجريم المسّ بالمقدّسات. وكما هو متوقّع، كان العفيف ضدّ قانون من هذا القبيل، لأنّ قانونا كهذا سيكون قاتلا للحرّيّة. الحرّية هي المقدّس الأقدس الذي يجب حمايته. كان هذا موقفا “مثيرا للجدل”، مقارنة بالمواقف المتحفّظة والحذرة لبقيّة المثقفين الحاضرين.
كان صادقا شفّافا، ولم يكن يحبّ قول أنصاف الحقائق، ولم يكن يحبّ الوقوف على العتبات بالمعنيين : الوقوف على عتبات أصحاب السّلطان، والوقوف على عتبات المجهول بدل الدّخول والمغامرة.

وكان شجاعا جسورا، ولذلك فإنّه لم ينتحر، بل وضع حدّا لحياته في لحظة وعي ومسؤوليّة، ومات موتة الفلاسفة القادرين على مواجهة آخرة بلا وهم ولا أمل في أيّ انبعاث، سوى انبعاث الفكر من رماد الخوف ومكبّلات الأبنية التيوقراطيّة.
لم آت هنا لتأبينك يا عفيف بل لمعاهدتك : أعاهدك على أن أفتكّ صوتك من عنكبوت الرّقابة، لتبقى دائما مثيرا جدلا.
أعاهدك على أن أكون وأن أبقى مثلك، من صنف “المثيرين للجدل”.

عن موقع '' الأوان ''

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع