المقالات

بين المواطنة والشعور الانتماء

 

 

رشيد كواغو

مفهوم المواطنة يرتبط دائما بحس الانتماء، و من الواجب على مؤسسات الدولة أن تتبنى هذا الحس من خلال تعاملاتها مع الأفراد، و من خلال الوثائق التي توفرها، و عكس ذلك يؤدي إلى النفور عن هذه المؤسسات، و هذا تماما هو الذي يحدث في بلدنا، فالدولة التي يشعر المواطن بالانتماء إليها ليس فيها تهرب في المسؤوليات و ضعف المواطنة كما هو الشأن في بلدنا.

و قد نتساءل دائما كأفراد ينتمون إلى هذا الوطن: لماذا لا تنجح الإحصاءات في بلدنا؟، لماذا تفشل كل استطلاعات الرأي التي تقوم بها الدولة؟، لماذا تمتنع الأغلبية الساحقة عن المشاركة السياسية؟.

ببساطة لأن المواطن يعتبر الشخص المعنوي للدولة كائنا غريبا لا مشترك يجمعه به، بل أحيانا عدوا له، يهدده في و جوده، و في استقراره، و في ممتلكاته، فيحاول تضليله في كل مرة.

 فتفسير بعض الأفراد أن المجتمع المغربي مجتمع يطبع عليه النفاق، يظهر ما ليس عليه، هو تفسير خاطئ، لأن المواطن المغربي يعرف مصلحته أين تكون، و لديه إيمان قوي أن العلاقة مع المخزن هي علاقة ضياع، إذ كيف تريد لمقاول أو تاجر أن يصرح للدولة بحقيقة دخله، أو يبلغ عن قيمة ممتلكاته، فالأمر أسوأ من أن يكون له علاقة بخلل في النظام الجبائي، و لكن لأن لا أحد سيتعامل بحسن نية مع من يعتبره عدوا له.

 فهذا العداء الذي نراه مشروعا و ضرورة لا غنى عنها، هو ناتج عن عداء ظلامي استبدادي من طرف الدولة، هذه الأخيرة التي لا تزال تشتغل بأسلوب المخزن التقليدي لكن بآليات و مؤسسات حديثة، هو ناتج عن غياب أية نوايا للإصلاح، هو ناتج في كون الديمقراطية مجرد شعارات و عن ضعف كبير للعمل السياسي، و ناتج عن ممارسات إقصائية قمعية ( استنزاف الثروات، نزع الأراضي)، هو ناتج عن قمع و تجاهل الهوية التي ينتمي إليها المغاربة.

فهوية المجتمع هي التي تحدد مصيره، وسؤال الهوية هو الدافع لتحقيق الإرادة، و إثبات الوجود، و يعطي الأمل في المستقبل، فكيف يؤدي الشعور بالانتماء إلى تقوية روح المواطنة و المسؤولية ؟

هنا من الواجب أن نذكر القارئ الكريم ببعض الحقائق:

- باعتبار ان الهوية تحدد أولا بالأرض، ثم بمنطق التاريخ، ثم يأتي في الأخير الدين، و هذا ليس تنقيصا من قيمته.

- باعتبار كل هذه العناصر يمكن تحديد الهوية كما يلي:

 * المغرب دولة إفريقية، و ليس فقط "والغنية بروافدها الإفريقية" كما ورد في الدستور،

 * دولة أمازيغية بحكمي المنطق و التاريخ، والواقع يظهر لنا أن هذه الأخيرة لا زالت تفرض وجودها في المجتمع المغربي عكس الحضارات الأخرى، من خلال الثقافة و اللغة و التقاليد و العمران و أسماء المدن...، فكل المؤشرات تدل على ان الأمازيغية حضارة حية معاصرة و هوية لازلنا نتنفسها.

 * لغتاها الرسميتان الأمازيغية و العربية.

 * دولة تتمتع بوجود عدة ديانات، اليهودية و الإسلام، و دين الأغلبية الساحقة هو الإسلام.

 و لكن النظام لديه حضارة أخرى مستوردة يتبناها و يفرضها على الشعب، ليس لغرض ديني ولكن سياسي، فالشرعية العلوية تستمد وجودها و سلطتها من خلال الإنتماء إلى الشرق، و هذه كلها أخطاء و مغالطات ضحيتها هي هوية الشعب، الهوية الأجدر و الأولى.

 إذ كان العمل على جعل القانون التنظيمي لتنزيل الأمازيغية أول قانون تنظيمي ينبغي المصادقة عليه، و ذلك لكون الهوية هي المحدد و المحرك لكل ما سيأتي بعد، بل هي التي ستساعد في تحديد بقية القوانين، و كذلك لكون الهوية و حس الإنتماء بروح المواطنة هو الذي ينبغي احياؤه  و العمل عليه أولا، هو قبل أي شي، كان ذلك سيظهر النظام في صورة جديدة، تبين الصدق و تغيير النوايا تجاه القضية. و لكن هذا لم يتم، و أعيد ارتكاب نفس الأخطاء، كما يؤكد أن مواقف المخزن التقليدية هي ذاتها لم تتغير.

المواطنة إذن مفهوم حديث، لا علاقة له بالمخزن و الرعية كما كان معمولا به، بل هو شعور متبادل بين الدولة و الفرد، لا يخص طرف دون غيره، و انتماءات الأفراد يجب أن تتبناها الدولة، و إلا فلا معنى للمواطنة.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع