المقالات

عندما يُرتَهَن مستقبل اللغة الأمازيغية بأمزجة النواب الإقليميين


ادريس رابح

رغم أن الخطاب الملكي قد انتقد الوضعية الكارثية للمنظومة التربوية،و حمل مسؤولية  الفشل،بطريقة غير مباشرة،للوزير محمد الوفا و من خلاله لحكومة العدالة و التنمية،فإن الدخول المدرسي لهذا الموسم قد مر في ظروف عادية و في أجواء هادئة لم نعهدها في السنوات الماضية،حيث ظلت التعبئة و طغيان الشعارات هي السمة البارزة عند كل بداية موسم دراسي جديد،رغم أن تلك الشعارات المناسباتية و تلك التعبئة الجماعية لمختلف المتدخلين سرعان ما كانت تختفي بمجرد اصطدامها بالواقع المزري و بالمشاكل الهيكلية للمنظومة،و التي تحتاج إلى استراتيجية وطنية لا تخضع للمزايدات و التجادبات السياسوية الضيقة.

قد يُفهَم أن هذا الهدوء النسبي المميز للدخول المدرسي لهذه السنة،مرده أساسا الموت السريري الذي دخلته الحكومة الحالية منذ قرار شباط الانسحاب،و اللاستقرار الذي يحكم المناصب الوزارية و عدم تيقن جل الوزراء من امكانية استمرارهم في العمل الحكومي من عدمه،و ما لهذا  اللاستقرار من تأثير سلبي على السير اليومي لعمل الحكومة و عرقلته لتصريف أعمال الوزارات و من بينها وزارة التربية و التعليم،مما يجسد عمليا أن منطق التدبير الاداري المؤقت و المرحلي هو السائد عوض التدبير الاستراتيجي المبني على تخطيط بعيد المدى،و قد يفسر كذلك هذا الهدوء على أنه بداية تنامي الوعي لدى المسؤولين بمحدودية سياسة الشعارات و المبالغة في التسويق الاعلامي للمشاريع دونما التركيز على أجرأتها،و عموما فكل القرارات المتخذة،و رغم صبغتها الهلامية و صعوبة تحققها و حتى البسيطة منها،لم تسلم من استغلال اعلامي يراد له دوما تسجيل نقط تخدم الاجندة الحزبية و سمعة الحكومة بصفة عامة.

في المغرب،تدبر الملفات الكبرى للتعليم تبعا لنفس المنطق،و يتم التركيز على التسويق الاعلامي للمشاريع على حساب التنفيذ و المتابعة و التقويم و التعديل،مما يفوت على القطاع جني ثمرات مجموعة من الاصلاحات،بحيث تبقى المشاريع حبيسة التداول الموسمي للإعلام و المراسلات و الأوراق و الشكليات،مما كرس تلك النظرة التشكيكية من طرف المتدخلين المباشرين في المنظومة تجاه كل المبادرات الجديدة،الشيء الذي يجعلها تفقد مصداقيتها و إمكانية نجاحها،و تصطدم بمقاومة موجهة ضد كل ما هو جديد بغض النظر عن نجاعته و أهميته،و لا شك أن اللغة الامازيغية هي الاخرى قد خضعت للتدبير نفسه،و تم التعامل معها في إطار تسويق القرارات إعلاميا بينما التنفيذ الفعلي تُرِكَ رهينا بأمزجة النواب الاقليميين و مدراء المدارس،و لم تحسم الوزارة في قراراتها و سياستها الرسمية تجاه اللغة الامازيغية.

منذ إدماجها في المنظومة التربوية،دأبت الوزارة على إصدار المذكرات و المراسلات ذات البعد التنظيمي لمنهاج اللغة الأمازيغية و كيفية تدبيره زمنيا و تربويا،و لم تخرج من إطارها الاختياري و الاستئناسي الذي نص عليه ميثاق الوطني للتربية و التكوين،بل الأخطر من ذلك كله هو تلكؤ الوزارة عن تقديم معطيات حقيقية عن وضعية اللغة في المدارس المغربية و عدد التلاميذ المستفيدين من تعلمها،و نسبة الأطر المكونة و مدى أهليتهم لتدريسها،بالإضافة إلى افتقار قرارات الوزارة في هذا الشأن إلى الطابع الإجباري مما يفرغها من قوتها القانونية و المعنوية،و بذلك أصبحت اللغة الأمازيغية تحت رحمة أمزجة النواب من جهة،و المشاكل البنيوية التي تتخبط فيها المنظومة التربوية من جهة اخرى،إذ غالبا ما يتم تدبير الخرائط التربوية في غياب أي اعتبار لمادة اللغة الامازيغية،بل تبعا  لحسابات نقابية و شخصية لا تخدم بالأساس التوجهات العامة للمملكة التي ينص عليه الدستور فيما يخص ترسيم اللغة الأمازيغية و ما يستتبع ذلك من ايلائها الاهتمام الذي تستحقه.

و في الوقت الذي كنا ننتظر فيه الإعلان عن استراتيجية وزارية واضحة المعالم تعطى من خلالها الأولوية للغة الأمازيغية،و تبلور تصورات عملية و إلزامية تؤطر قرارات النواب الإقليميين و مدراء المدارس،و تعمل في تناغم تام مع مقتضيات الدستور الجديد،نسجل بكل أسف و استغراب كبيرين التراجعات التي طبعت الدخول المدرسي الجديد،إن على المستوى الوزاري أو على المستوى النيابي،مما يشكل نكوصا على المكتسبات التي تم تحقيقها،و على الوعود التي قطعت من طرف المسؤولين في هذا الشأن.و من بين الملاحظات الأولية البارزة في هذا الصدد،هو غياب كلي للوزارة،و عدم إصدارها لأي مذكرة أو مراسلة إجبارية تواكب تطورات مرحلة ما بعد الدستور،و يُستَدرَكُ بواسطتها فشل تحقيق الرهان الذي رفعته الوزارة في الموسم الدراسي المنصرم و المتمثل في التعميم العمودي و الأفقي للغة الأمازيغية ليستفيد من دروسها مليون تلميذ مغربي،ثم إن الوزارة،و عوض أن تسلك منحى تصاعديا في توفير الأطر المكَوَنة،قامت عكس كل التوقعات بتخفيض عدد مناصب ولوج المراكز الجهوية للتربية و التكوين المخصصة للأساتذة  اللغة الأمازيغية من 84 منصب خلال الموسم الدراسي 2012.2013 إلى 80 منصبا خلال هذا الموسم.

أما على مستوى النيابات التعليمية،فإن الوضعية المزرية للغة الأمازيغية تتكشف خيوطها بوضوح،إذ أن النواب الإقليميين لا يأخذون بعين الاعتبار مادة اللغة الامازيغية عند إعدادهم الخريطة التربوية،أو أثناء تنظيم الحركات الانتقالية المحلية،أو تكليف الاساتذة،و قد نبهت الفعاليات الأمازيغية إلى ضرورة تعبئة النواب الإقليميين باعتبارهم المسؤولون المباشرون لتعميم اللغة الأمازيغية،و تنظيم تكوينات للأساتذة،و توفير الكتب و المراجع،و تنظيم لقاءات تواصلية بين مختلف المتدخلين في هذه العملية.

من يتتبع ورش تدريس اللغة الأمازيغية في المدرسة المغربية،يقف عن كثب على الدور السلبي الذي يلعبه بعض النواب الإقليميين في تغييب و تجاهل مطالب النهوض باللغة الامازيغية،و على خطورة أن تترك الوزارة تعميم هذه اللغة خاضعا لمزاج النواب،دون أن تسن قانون أو تصدر مذكرات إلزامية تقطع الطريق أمام كل نية للتماطل أو التراجع عن المكتسبات.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع