المقالات

هل جُنَّ القوميون العرب؟!

 


 محمد الراجي

1)

القوميون العرب قوم غريبُ الأطوار؛ يستحيل أن يعرف المرْءَ بالضبط ماذا يريدون وكيفَ يفكّرون؛ رأسُمالهم الوحيد هو الثرثرة، ولا يملكون حلاّ عمليّا إزاء أيّ مشكلة. العرب عموما هم قوم مفعول به على الدوام، ولم يسبقْ لهم أن كانوا في يوم من الأيام فاعلا، بخصوص القضايا الدوليّة.

من هذا المنطلق يمكن أن نفهم ردّ فِعل القوميين العرب، وبعض الأصوات النشاز من اليساريين، أو المتياسرين، حُيال التدخّل العسكري الغربيّ المحتمل في سوريا للإطاحة بنظام المجرم بشار الأسد.

يوم أمس حضرتُ وقفة احتجاجية أمام البرلمان، للتنديد بـ"العدوان الصهيوني على سوريا"، وسمعتُ الشعارات نفسَها التي يردّدها القوميون منذ عقود، والكلمات نفسها؛ لا شيء يتغيّر في عقول هؤلاء الناس؛ قوم لا يتقنون شيئا آخر غير الصراخ، وإثارة الضجيج.

القوميون العرب الذين ظلوا صامتين لسنتين ونصفَ السنة عن المجازر التي يقترفها المجرم بشار الأسد في حقّ الشعب السوري يرفضون أيّ تدخّل عسكري أجنبيّ في سوريا، وفي المقابل لا يقدّمون أيّ حل لوقف مجاز بشار في حق السوريين، رغم علمهم أنّ الحلّ الوحيد هو التدخّل العسكري الأجنبي، لكنهم يرفضون هذا الحلّ، فقط من باب "التقلاز" للإمبريالية الأمريكية من تحت الجلابة!

2)

على هؤلاء القوميين أن يخجلوا من أنفسهم، ليس لأنّ وزنهم لا يمثل مثقال ذرة في ميزان القوى المؤثرة على الساحة الدولية فحسب، ولا لأنّ صوتهم المبحوحَ لا يتعدّى حدود دوائر وقفاتهم الاحتجاجية الصغيرة، بل لأنهم يعانون انفصاما خطيرا بينهم وبين أنفسهم؛ فعندما بدأت الثورة السورية، كانوا يتهمون الغرب بالخذلان، لعدم تدخّله، وعندما بدأت بوادر تدخّل الغرب، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية نكصوا على مطلبهم، وقالوا لا نريد تدخّلا عسكريا أجنبيا في سوريا. هؤلاء هم الذين قال في حقهم المثل المغربي "ما يرحموش وما يخليوش رحمة ربي تنزل"!

في مقابل الوقفة الاحتجاجية التي نفذها القوميون ضد التدخّل العسكري الأجنبي في سوريا، كان هناك عدد من أفراد الجالية السورية المقيمة بالمغرب يطالبون بالتدخّل العسكري. أحدهم قال لي، إنّ الشعب السوري مستعدّ للتحالف حتى مع الشيطان من أجل الاطاحة بنظام بشار الأسد، فهل هؤلاء القوميون أكثر حرصا على سوريا من أهلها؟

3)

لا أخفي أنني أشعر بالعار والخجل وأنا أقرأ بيانات الأحزاب والنقابات المغربية الرافضة لأي تدخّل عسكري أجنبي في سوريا، إيمانا منّي واقتناعا، أنّ هذه الأحزاب والنقابات تدبج هذه البيانات من باب "تسجيل الحضور" على الساحة، لا أكثر ولا أقلّ، ولا تملك تصوّرا، ولا حلا، ولا حتى مجرّد اقتراح صائب، حُيال ما يجري في سوريا.

على هؤلاء الناس أن يخجلوا من أنفسهم، فالشعب السوري الذي قتل منه المجرم بشار الأسد عشرات الآلاف، وهجّر منه مليونا، ودمّر آلاف البيوت، وقتل منه مائة طفل بالسلاح الكيماوي، هذا الشعب أدرى بمصلحته من هؤلاء القوميين الذين يركبون على القضايا الإنسانية، ليظهروا على شاشات التلفزيون، وربما لأهداف أخرى.

ماذا يريد هؤلاء بالضبط؟ يقولون إنّ المطلوب هو أن تُفتح مخازن الأسلحة لأبناء سوريا، من أجل الدفاع عن أنفسهم، وكأنهم لا يعرفون أن مفاتيح مخازن الأسلحة توجد بيد بشار، أو أخيه ماهر، القائد الفعلي للجيش السوري المجرم.

القوميون العرب يدركون ويعُون جيدا أنّ الحلّ الوحيد المتبقّي لإنقاذ الشعب السوري من الفناء، هو التدخّل العسكري الأجنبي، بعد عامين ونصفَ العام من الجرائم التي ارتكبها الجزار بشار في حق النساء والرجال والأطفال والشيوخ على حدّ سواء، لكنّهم يرفضون أيّ تدخّل عسكري، وينادون بأن تستمرّ المقاومة الشعبية، إلى أن يسقط بشار، الذي كانوا يدافعون عنه كما دافعوا عن صدام حسين، باعتبارهما "قائدي الممانعة العربية"، ضدا على الولايات المتحدة الأمريكية.

السؤال الذي يجب على هؤلاء القوميين أن يجيبوا عنه هو: إذا كنتم حقا حريصين على حماية سوريا من "الاحتلال" الأمريكي، وتريدون أن يسقط نظام بشار على يد الشعب السوري، فلماذا لا تحملون عُدّتكم، وتسافرون إلى دمشق أو حمص أو حلب وغيرها من المدن السورية الغارقة في أتون حرب بشار على شعبه، وتقاتلوا إلى جانب الجيش السوري الحرّ، وإلى جانب أبناء سوريا؟ فلتفعلوا إذن إن كنتم صادقين، وإلا فلتغلقوا أفواهكم رجاء، فزعيق مكبرات الصوت في الوقفات الاحتجاجية لا يحرّك شعرة واحدة من شعور صناع القرار داخل البيت الأبيض!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

https://www.facebook.com/mohamed.erraji2

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع