عالمية

لماذا يتزعم المسلمون العرب واجهة العنف والاقتتال في العالم؟

يبلغ عدد سكان العالم حوالي 7,2 مليار نسمة، منقسمين على 193 دولة ممثلة في الأمم المتحدة، من بينها الصين التي يبلغ عدد سكانها حوالي مليار و400 مليون، والهند بحوالي مليار و200 مليون، وتتدين شعوب العالم بمئات الأديان والمعتقدات من بينها أكثر من عشرة أديان كبرى حيث تتقدمها المسيحية بحوالي 2 مليار و400 ألف مسيحي

رشيد الحاحي

يبلغ عدد سكان العالم حوالي 7,2 مليار نسمة، منقسمين على 193 دولة ممثلة في الأمم المتحدة، من بينها الصين التي يبلغ عدد سكانها حوالي مليار و400 مليون، والهند بحوالي مليار و200 مليون، وتتدين شعوب العالم بمئات الأديان والمعتقدات من بينها أكثر من عشرة أديان كبرى حيث تتقدمها المسيحية بحوالي 2 مليار و400 ألف مسيحي، والإسلام بحوالي مليار و600 ألف، والهندوسية والبودية بمليار و500 ألف، وديانات أسيا الشرقية بحوالي 500 مليون من الأتباع، واليهودية بحوالي 15 مليون. وتضم جامعة الدول العربية 22 دولة، رغم ما تنطوي عليه هذه التسمية من تصنيف قومي وتمييز لغوي وثقافي، يقدر سكانها بحوالي 360 مليون نسمة، ويعتبر الإسلام دين غالبية شعوبها. (مجلة Science et Vie ، عدد خاص بمناسبة الذكرى المئوية لصدورها).

هذه معطيات إحصائية تهم جانب من الوضعية الديموغرافية والتركيبة البشرية والانتماءات الثقافية والدينية في العالم، وهي المعطيات التي كثيرا ما حجبها عنا حجم وهول الأحداث والصراعات التي تجري من حولنا تحت مسميات ويافطات إسلامية، حتى أن المرء يضن أن الدين والمعتقد الواحد في العالم هو الإسلام، وأن الإسلام تحتكره البلدان العربية، وأن مستقبل الكرة الأرضية والجنس البشري متوقف على المسلمين وجماعاتهم الدينية وخطاباتهم الهوياتية وفتاواهم الفقهية وممارساتهم وصراعاتهم البينية.

والسؤال الذي نود طرحه انطلاقا من هذه المعطيات هو الآتي: لماذا أضحى الإسلام والمسلمون العرب الديانة والجنس البشري الأكثر بروزا على واجهة الأحداث وخطابات صراع الهويات والقوميات والانتماءات الدينية والعقدية في العالم، وما يفضي إليه ذلك من أعمال التكفير والعنف والاقتتال ونبد الأخر…؟

فرغم أن العالم يعج بالديانات والمعتقدات، ولكل البلدان والمجتمعات والمجموعات البشرية أشكال تدينها وثقافاتها وانتماءاتها المختلفة، فإن هذا التعدد والتنوع الديني والثقافي والقومي لا يتحول عند الشعوب والديانات الأخرى إلى اختلاف متوحش وقوميات ومعتقدات قاتلة كما يحصل للمسلمين، ولا تتخلله مظاهر العنف إلا في حالات نادرة جدا، ويكاد العالم لا يسمع عن قضايا الدين والمعتقد في دول وشعوب ومجتمعات كبيرة ومتنوعة في تركيباتها الاجتماعية والعقدية واللغوية، كالصين والهند واليابان والولايات المتحدة وأوروبا وأندونيسيا…، بقدر ما تتزعم هذه البلدان والأقوام واجهة الأحداث والأخبار والانجازات في مجالات بناء الحضارات وإبداع الثقافات والفنون، والإنتاج العلمي والتكنولوجي وتخصيب اليورانيوم، والبحث الطبي والصيدلي، وتطوير الصناعات وتحقيق النمو الاقتصادي؟

وعلى عكس واجهة التنافس الحضاري والاقتصادي التي تتزعمها الدول والشعوب المتقدمة، تستوقفنا هذه الرقعة المسماة ببلدان العالم العربي، دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بحضورها وتزعمها واجهة أحداث العنف والاقتتال التي تجري تحت يافطات دينية وهوياتية وعقدية وطائفية، حيث تشكل وتغذي باستمرار هذه الصورة النمطية والمتجددة عن الإسلام والمسلمين، ونوعية حضورهم السلبي البارز في المشهد العالمي الراهن!

إذا توقفنا عند جل الأحداث والظواهر التي ارتبطت خلال السنوات الأخيرة بالإسلام وبالمجتمعات والدول المنتسبة إلى العالم الإسلامي، ومقارنة بجزئه الشرقي الذي تميزه ثقافات أخرى كأندونيسيا وإيران وماليزيا وتركيا، نجد أن جزءه الشرق أوسطي العربي هو الأكثر حضورا في واجهة الأحداث والوقائع المثيرة للذهول بسبب ما تعكسه من ممارسات مخالفة للعقل والحضارة وصادمة لهما، ونظرا لما تتسم به من درجات العنف والاقتتال، بل أحيانا من البشاعة والوحشية.

فقد صارت ظاهرة الإرهاب في أبشع ممارساتها وصورها قرينة الإسلام والمسلمين، ومرادفا للفكر والمعتقد والنظرة التي يحملها الإسلام والمنتسبين إليه اتجاه بقية الديانات والمجتمعات والثقافات والعالم. كما صارت أحداث ومظاهر وصور القتل والاقتتال التي تعرفها العديد من البلدان والمناطق في العالم، وصور البشاعة البشرية، من أشكال الذبح والخنق والحرق والتدمير، التي تتناقلها وسائل الإعلام ووسائط الاتصال وشبكات التواصل الاجتماعي، هي العناوين الكبرى والخصائص البارزة التي يقترن بها المسلمون العرب في أذهان الشعوب الأخرى، والتي تميز صورتهم وخطابهم الديني والسياسي وسلوكاتهم وممارساتهم الفعلية، ومشروعهم البشري بين بقية الأقوام والمجتمعات والأديان والثقافات التي تعرفها مختلف أنحاء العالم.

بعد أن كانت أعمال الترهيب والتفجير والقتل التي تنفذها الجماعات والتيارات الإسلامية، وبمسوغات وتبريرات دينية وفقهية واضحة، خاصة تحت يافطتي التكفير والجهاد، تستهدف أساسا خلال السنوات الماضية البلدان الأوروبية وأمريكا ومدنها ومرافقها ومؤسساتها ورموزها ومواطنيها، أي بلاد الكفر في أدبيات هذه الجماعات، فقد عرفت السنوات الأخيرة انتقال الأهداف والمستهدفين إلى داخل البلدان والمجتمعات الإسلامية نفسها، وتحول الإرهاب وأعمال العنف والتدمير إلى داخل البنية والمنظومة الإسلامية والعربية ومكوناتها وفرقها وشعبها، حيث تفاقمت أحداث الاغتيالات والتفجير والتدمير، وتوسعت رقعة الاقتتال بين المكونات والمذاهب والطوائف، خاصة بين السنة والشيعة، وبين المالكيين والإباضيين، وبين تنظيمات القاعدة والدولة الإسلامية وفروعها وبين جماعات أخرى والدول والحكومات وهيئات الإسلام المحلية …

فقد اجتهدت وأبدعت الجماعات الإسلامية الجهادية خلال السنوات الأخيرة في أشكال الحرب والاقتتال، وفي ابتكار طرق جديدة للقتل والتعذيب والتمثيل بالضحايا، وتوظيف وسائل الاتصال والوسائط التكنولوجية الحديثة في إيصال ونشر بشاعتها الآدمية، وهي أحداث تذكر بفصول التناحر والصراع حول السلطة التي عرفها تاريخ الإسلام المأساوي، وبدرجات الوحشية التي كانت تظهرها ممارسات الخلفاء والحكام والقواد العرب خلال فترات الصراع الدموي والتخلص من المنافسين والمعارضين، ومن الفرق والجماعات والأطراف الأخرى، وذلك تحت راية الإسلام وباسم شريعة الله ونصرة خليفته في الأرض!

فهل ما زال ممكنا الاختباء وراء مختلف أنواع التبريرات والتفسيرات التي كان المسلمون وبعض فقهائهم وتنظيماتهم السياسية يكررونها ويدافعون بها عن حقيقة الإسلام وبراءة المسلمين، كلما طرح سؤال الإرهاب والعنف وتفاقمت أحداث القتل والتدمير باسم الله والإسلام؟

وكيف يمكن أن يصدق المتتبعون لأحداث القتل والاغتيال والتدمير، والمصدومون من هول ما يحصل، فقيها أو سياسيا أو مواطنا مسلما يتبرأ من الجماعات الإرهابية والفكر التكفيري والإسلام الجهادي، مثلا، بدعوى أنه لا يمثل المسلمين ولا يعكس الإسلام الحقيقي؟ وما جدوى مناقشة الظاهرة والأحداث من زاوية فقهية وأصول الشريعة وقراءة وتأويل النصوص، خصوصا في محاولة لإقناع الشعوب والثقافات والأديان الأخرى في العالم بتبرئة الإسلام مما يحصل، في حين أن السلوكات والممارسات الدينية والاجتماعية وأعمال العنف والقتل هي صادرة عن أفراد وجماعات إسلامية وتتم بمسوغات دينية وعقدية؟

كما يقول أمين معلوف، مهما غصنا في بطون الكتب المقدسة، ورجعنا إلى كلام الفقهاء، وأقمنا الحجج والبراهين، سوف تبقى هناك دوما تفسيرات مختلفة ومتناقضة. لقد عرفت المجتمعات البشرية على مر العصور كيفية إيجاد الآيات المقدسة التي تبرر ممارساتها الآتية.

فحقيقة لا جدوى من التساؤل حول ما يقوله الإسلام، وإذا ما أردنا الحصول على أجوبة، وليس فقط على تأكيد لأفكار مسبقة ايجابية أو سلبية نحملها في قرارة نفسنا أصلا، فلا يجب دراسة جوهر العقيدة بل سلوكيات الذين يدينون بها عبر التاريخ (الهويات القاتلة).

لقد حان الوقت للخروج من نقاش النصوص والتراث والتأويلات، والاجتهاد في إيجاد التبريرات والاستثناءات، ومن وهم المؤامرات، والاكتفاء بالدعوة إلى تحديث القراءات وتطوير “الفقهيات”، إلى مستوى تحمل المسؤولية الحضارية والثقافية والسياسية اتجاه وضعية الإسلام والمسلمين وصورتهم، واتجاه ممارساتهم وسلوكياتهم بين الأقوام والأديان والثقافات الأخرى في العالم.

فسلوك المواطنين وتربيتهم وتنشئتهم الثقافية والفكرية، وتدبير قضايا التعدد اللغوي والثقافي والهوياتي، وتحديث بنيات المجتمع والذهنية الفردية والجماعية، وتطوير الحياة الديمقراطية وتصريف الاختيارات الحقوقية والمواطنتية والمدنية، وتحييد قضايا الدين والاعتقاد، والتحرر من البنية الشرقية على المستويين الثقافي والسياسي، ومن احتكارها وتوظيفها الدنيء للإسلام والاختلافات المذهبية والفقهية، والعمل الجاد على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، تلكم هي المداخل الأساسية للخروج من قوقعه الأوهام والاستغلال السياسوي للدين والمعتقد، ومن دوائر العنف والرفض والانغلاق الديني والعقدي والصراع الطائفي، وهي اختيارات كبرى تحتاج إلى الجرأة والكفاءة السياسية، وإلى ثورة ثقافية وفكرية فعلية، وذلك بما يعكس تحمل المسلمين ودولهم ونخبهم الثقافية والسياسية المتنورة لمسؤولياتهم التاريخية وتقرير مصيرهم الحضاري، وذلك أمام أنفسهم وأمام العالم المتحول باستمرار والمتطور بشكل متسارع من حولهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock