رشيد الحاحي*
الوجه هو مدخل الجسد وهويته الشخصية وعلامة تعريفه الفيزيولوجية والاجتماعية البارزة، فعبره يتم تعرف الأشخاص بأسمائهم وهوياتهم الاجتماعية، وعبر قسماته وملامحه ووظائفه يتم التواصل في الفضاء العام، خاصة من خلال حركات النطق والكلام وأشكال وبلاغة النظر، ودلالات الارتسامات والإيحاءات الفيزيولوجية لمختلف مكوناته.
فحركات الأفراد وعلاقاتهم في الفضاء العام، وما ينتج عنها من مواقف وردود تواصلية، كالارتياح لبعضهم البعض الذي يصل إلى تبادل التحايا ونسج العلاقات، أو الاحتراس والتباعد، أو العنف عن بعد أو عن قرب، أو اللامبالاة، كلها تتم عبر هيئات الأجساد وهويتها الفيزيولوجية والاجتماعية التي تشكل صور الوجه وتقاسيمه ولغته حاملها ومعبرها الأساس.
فالفضاء العام ليس فضاء خاصا لهويات فردية مجهولة، بل هو فضاء اجتماعي تواصلي، يتقاسمه المواطنون بهوياتهم وتعارفهم الشخصية المكشوفة كأفراد مواطنين ينظرون ويتبادلون ويحترمون بعضهم البعض، ويمتثلون للقانون ولقيم التحضر والعيش المشترك، ومن تم يصير التواصل الفيزيولوجي قناة للتواصل الاجتماعي وتصريف قيم المدنية والتحضر، وتبادل الاعتراف بالمواطنة والانتماء إلى المجتمع المشترك والوطن الواحد والإنسانية الكبرى.
فكما يمثل التعري وكشف الأعضاء الجنسية في الفضاء العام حالة تطرف في حرية الأفراد ذكورا وإناثا، تسئ إلى أدب اللياقة وتقاسم الحضور والتواجد والتواصل في المجال العمومي، فإخفاء هوية الأفراد والأجساد والوجوه عبر أغطية أو أثواب محجمة كالبرقع والنقاب، هي أيضا تطرف يخل باللياقة الاجتماعية والتواصلية، ويسئ لحق الآخرين في التعرف المتبادل والإثمان والارتياح لبعضهم البعض في الفضاء العام، سواء كمواطني بلد واحد أو كمواطني العالم.
إن القيم معطى ومفهوم إتيقي، وقاعدة مجردة ومرتبطة بتمثلات اجتماعية أو جمالية أو روحية لدى الأفراد والجماعات، لا يمكن أن تختزل في تمظهر مادي أو جسدي، وفي الحجب والإخفاء والحصار البصري، بقدر ما تتصل بالفكر والدهنيات والقناعات وتتبدى من خلال ممارسات وسلوكات جلية ذات أبعاد ومضمون ثقافي.
وبغض النظر عن المرجعيات، فبهذا المعنى حجب هوية الجسد وإخفاء وجهه لا يمكن أن يشكل محدد قيمي أو شرط لتحقيق قيم التمدن والاحترام في الفضاء العام، لأن هذه الأخيرة ترتبط بثقافة الأفراد وليس بتواجدهم الفيزيولوجي والجسدي الخام. أي أن حجب الجسد ووجهه في الفضاء العمومي بالغطاء المادي المكون من الثوب أو أية مادة أخرى، بذارعة أخلاقية وقيمية ذات خلفية دينية وإيديولوجية، ليس سوى تمثل خاطئ واختزال لمفهوم القيم والتحضر في ثنائية الحجاب والظهور، ونزوة الإغراء وسلطة الوصاية، ومحاولة لتكريس دونية الجنس البشري في نزواته الجسدية بدل مواقفه وسلوكاته الثقافية والمدنية.
نظرا لكل هذه التوضيحات الفكرية والثقافية والقيمية، أجدني كمواطن مغرب وكوني منزعجا وغير أمن من تقاسم الفضاء العام مع أفراد، ذكورا أو إناثا لا أدري، لا أبصر وجوههم ولا أتعرف حقيقة هويتهم الجسدية والاجتماعية، ولا يجعلونني أطمئن لتواجدنا وانتمائنا المشترك.
*مواطن مغربي وكوني.