محمد برشي.

في الحادي عشر يناير من كل سنة، يحتفل المغاربة قاطبة بذكرى تقديم وثيقة الاستقلال، تلك الوثيقة العجيبة التي كان لها مفعول السّحر في حصول المغرب على استقلاله في واحدة من القرائن الكثيرة التي كرّست حالة الاستثناء التي يعيش عليها هذا البلد منذ الأزل، وثيقة وقعها مجموعة من -الوطنيين- والذين نعاتبهم على تأخرهم مرتين: مرة عند عزمهم على إمضاء هذه الوثيقة وتقديمها سنة 1944، أي أنهم تأخرو 32 سنة على توقيع معاهدة الحماية التي بموجبها تم الاحتلال الفرنسي للمغرب، وخلال كل هذه السنوات خسر فيها المغرب رجالا ونساءا، والذين اضطروا امام تأخر ميلاد هذه الوثيقة الى الدخول في حرب خاسرة مع المستعمر في كل من لهري، بوغافر… ومرة عندما كتبوها بلغة معقدة احتاجت معها الادارة الفرنسية الى 12 سنة كاملة لتكتشف اسرار رموزها وتصل أخيرا الى معانيها الخفية والمتمثلة في رغبة المغرب في الاستقلال الذي كان له بعد ذلك سنة 1956 بفضل دهاء ومكر ونباهة وذكاء نخبته الخارقة .

هذه الوثيقة العجيبة التي أتحدى أكثر من 98% من المغاربة المتعلمين أن يكونوا قد قرؤوها يوما او اطلعوا على فحواها رغم تداولها على نطاق واسع، ومن بينهم أنا شخصيا، إذ لم أعطي لنفسي فرصة قراءة سطورها المعدودات والمذيلة بلائحة طويلة من الرجال -الوطنيين- الذين رغم وفاتهم فمازلت أسماؤهم تحملها العديد من شوارع المملكة وبقيت ثرواتهم التي نالوها بفضل امضائهم على تلك الوثيقة العجيبة يتداولها اسلافهم ومنهم من ضاعفها حتى أثارت غيظ وحسد قارون. وممتن لنفسي هذه اللحظة قبل كتابة هذه الفقرات بقراءة سطورها القليلة والغزيرة بالمعاني، والتي اطلعت من خلال بعضها على سرّ خفى عني لأكثر من ثلاثة عقود حملته هذه العبارة من الوثيقة “حيث إن الدولة المغربية تمتعت دائما بحريتها وسيادتها الوطنية وحافظت على استقلالها طيلة ثلاثة عشر قرنا “!!!! فهل يا ترى تاريخنا كله في ثلاثة عشر قرنا؟؟! هل هذا البلد العظيم كان لا شيء ليبدأ شيئا مع الغزو العربي لأراضيه؟؟!

مهما يكن، سنحتفل مع المحتفلين بهذا السبق المغربي العجيب، سنحتفل باستقلال ناله المغرب بجرة قلم، ونتحسّر على ارواح مواطنين بؤساء ماتوا في الجبال والفيافي برصاص الاحتلال رغم إمكانية إنقاذ أرواح هؤلاء، ونتمنى أن يستكمل المغرب استقلال ما تبقى من أراضيه بوثائق مثل هذه الوثيقة المعجزة، مادام -الوطنيون- الموقعون عليها قد تناسلوا حتى أصبح أحفادهم بالآلاف، ولا شك من انتقال دهائهم وفطنتهم الى أسلافهم بالوراثة، وما دامت الأقلام تباع بالسنتات والأوراق قد أصبح ربع المغاربة يستعملونها لمسح مؤخراتهم بها في المراحيض!!