تيفسابريس/ د. عبدالله الحلوي
أريد، بإذن القارئ الكريم، أن أقترح نقدا “جذريا” للإلحاد المعاصر أتحرى فيه وضوح العبارة ويُسرها ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
الملاحدة ليسوا أناسا أغبياء، ومعظم الأفكار التي ينسبها “المؤمنون” لعلماء الملاحدة وفلاسفتهم تنطلق من أحكام مسبقة ومن فهم محرَّف ومُبسَّط لهذه الأفكار. لم يعد من الممكن أن نحاور الإلحاد المعاصر بكتب في منتهى السطحية مثل كتاب “حوار مع صديقي الملحد”!
الإلحاد المعاصر ليست فكرا واحدا أو فلسفة واحدة، بل هو كم هائل من الأطاريح التي تتخذ أحيانا طابعا “علميا” (مثال ريتشارد داكينز صاحب كتاب: the delusion of God) أو “فلسفيا علميا” (مثال دانييل دانيت صاحب كتاب: فكرة داروين الخطيرة) أو “فلسفيا” (مثال برتراند راسل صاحب مقالة “لماذا أنا ملحد أو لا أدري؟”). سأحاول هنا أن أستجمع البناء المنطقي الأساسي لأهم الحجج التي استخدمت لنفي وجود الله أو التشكيك في هذا الوجود كما وردت عند ممثلي هذه الإتجاهات الثلاثة ثم سأقوم بعد ذلك بنقد هذا البناء المنطقي بطريقة جذرية.
قصة الإلحاد المعاصر
تبدأ قصة الإلحاد المعاصر ”رسميا“ مع رجل ألماني ألمعي اسمه كانط إيمانويل. لم يكن كانط ملحدا بل مهد للإلحاد المعاصر بطريقة ذكية. فكرته الأساسية هي أن مشكلة المدافعين عن وجود الله يغفلون سؤالا في منتهى الأهمية وهو: هل الجملة “الله موجود” (أو نفيها: “الله ليس موجودا”) جملة ذات معنى أصلا؟ إذا لم يكن لهذه الجملة معنى، فلا يمكن أصلا أن نطرح السؤال: “هل الله موجود” وبالتالي لا يمكن نثبت أو ننفي وجود الله.
تتكون الجملة “الله موجود” من مبتدأ هو “الله” وخبر نسنده لهذا المبتدإ وهو “موجود” … الخبر، في هذه الحالة، “محمول” يسند إلى موضوع هو “الله”. ولكن ما معنى “موجود”؟ يشكك كانط في إمكان توفر هذا الخبر على تأويل وينبني تشككه على الإعتبارات التالية:
أولاـ “موجود” ليست محمولا أصلا ولكن مجرد رابط نحوي توهمنا اللغة أنه محمول. إنه مثل الفعل etre في الفرنسية الذي يربط بين الفاعل والمحمول الحقيقي. فعندما تقول Marie est intelligente، فإنك تستعمل الفعل est لتربط بين الفاعل وما تريد أن تسنده لهذا الفاعل Marie.
ثانياـ الخبر “موجود” هو معنى يلزم عن أي محمول كيفما كان. فعندما تقول: “التفاحة خضراء”، فإن قولك هذا يفترض بأن التفاحة موجودة، لكن عندما تقول: “التفاحة موجودة” فلا يلزم أي شيء عن “وجودها”. لذلك فإن “الوجود” ليس محمولا بل مجرد رابط نحوي توهمنا اللغة بأنه محمول.
ثالثاـ إذا اعتبرنا بأن “الوجود” محمول حقيقي فإننا سنسقط في تناقضات منطقية منها ما يلي: عندما تقول:”سقراط غير موجود” فإنك تناقض نفسك، لأن استعمال “سقراط” في موقف الفاعل يفترض وجوده بالضرورة، وبالتالي فلا يمكن أن نقول عن شيء بأنه غير موجود (إذن فكل شيء موجود!!)، وهذا عبث.
رابعاـ بما أن الله يُعرف بأنه خالق الكل فهو متتميز عن هذا الكل، ومتميز عن الزمان والمكان. لكن بما أن كل ما يستطيع أن يتصوره الإنسان، لا يفلت من قبضتي الزمان والمكان، فلا يمكن أن نسند لله أية صفة بما في ذلك “صفة” الوجود. مشكلة إثبات وجود الله إذن ليست هي أن لا دليل على وجود الله، بل أن الجملة “الله موجود” هي جملة غير ذات معنى … غير قابلة للتأويل …
الحل؟ … بالنسبة لكانط لا يمكن أن نثبت وجود الله ب”البرهنة” على وجوده بل بتثبيت وجوده ب”العمل الأخلاقي” … الله هو المثال الذي ينبغي أن تتجه أعمالنا الأخلاقية نحوه، وكلما “ثبتنا” في المبادئ الأخلاقية القطعية الواجبية الصادرة عن “عقلنا الأخلاقي” كلما “أثبتنا” وجود الله عمليا بسلوكنا. وصلنا هنا منتصف الطريق نحو الإلحاد الكامل. الجزء الثاني من القصة سيبدأ مع فلاسفة آخرين (مثل هيڭل) لكني لن أدخل في تفاصيل تقنية فلسفية … سأتجه رأسا إلى الإلحاد بصيغته الحديثة.
هل وجود الله يفسّر شيئا؟
مشكلة الإيمان بوجود “إله” بالنسبة لبرتراند راسل أن المؤمن به يدفع نفسه للإيمان بشئ ليس متأكدا من وجوده. لذلك فالمؤمنون دائما “كذابون” … يكذبون على أنفسهم إذ يوهمون أنفسهم بأنهم مقتنعون بوجود الله، ويكذبون على الأغيار لأنهم يثبتون ما لا دليل لهم على وجوده ولأنهم يوهمونهم بأنهم متيقنون من وجوده بينما هم غير متيقنين من ذلك.
تتخذ الحجة الراسلية الشكل التالي: ليس لدينا دليل على عدم وجود الله ولكننا لسنا في حاجة لافتراض وجوده لتفسير ما نراه في عالمنا. وجود الإنسان وفرادته الأنطولوجية يمكن تفسيرها بدرجة عالية من اليقين بمبدأي الإنتقاء الطبيعي وآلية البقاء للأصلح، وجود النظام في الطبيعة يمكن تفسيرها بمضاعفة الأنساق الطبيعية البسيطة. إذا استعملنا هذه المبادئ البسيطة يمكن أن نفهم حتى الأمور الدقيقة في حياتنا التي نأخذها مأخذ البداهة …
مثلا يمكننا مبدأ البقاء للأصلح أن نفهم لماذا يميل الرجال إلى تفضيل الإناث ذوات الخصر الواسع، وذلك عندما نتذكر بأن الخصر الواسع يدل على اتساع رحم الأنثى وبالتالي قدرتها على الإنجاب الفعال … يمكننا أيضا هذه المبدأ أن نفهم لماذا نستلذ بعض المأكولات كالسكر، وذلك إذا تذكرنا بأن الملايين من أجدادنا الذين كانوا لا يستلذونه هلكوا بسبب عجزهم عن الحركة. يمكننا هذا المبدأ أيضا أن نفهم لماذا يستلطف الكبار الأطفال الرضع ويستلذون رائحتهم البيولوجية … فالجينات المشتركة بيننا وبين الأطفال تجعلنا نميل إلى إكمال ضعفهم الفيزيولوجي بالإعتناء بهم والحفاظ عليهم … ولا يمكن لهذا الميل أن يرسخ إلا احتفظت الطبيعة فقط بهؤلاء الكبار الذين طوروا حواس تستلذ “قذارة” الأطفال وتستلطف شكلهم وسلوكهم، إلخ. طور الإنسان ملكة “الضحك” لأن الجماعة تحتاج إلى معاقبة كل سلوك شاذ دون استعمال العنف الجسدي المؤذي … الضحك خاصية “انتقائية” حافظت على بقاء النوع الإنساني لقرون … وهكذا.
“وجود الله” لا يفسر شيئا … هذه هي خلاصة الإلحاد الحديث. حتى بداية الكون التي كنا ننسبها للإله أو الآلهة يمكن فهمها إذا افترضنا أن الكون بدأ بانفجار عظيم لكتلة مكثفة من المادة ـ الطاقة وإذا افترضنا أن هذا الإنفجار هو السبب في التوسع المطرد للكون الذي نستطيع أن ترصده المكبرات العملاقة اليوم … فالجزء الأكبر من الكون ينتكون من أخف الغازات وأكثرها بساطة وهو غاز الهيليوم، مما يؤكد أن التعقد الظاهر للكون هو نتيجة لتركيب العمليات والمكونات البعدية… مما يعني أننا لسنا لافتراض “المحرك الذي لا يتحرك” لنفهم لماذا يوجد الكون بالصورة التي هي عليه.
العقل الإنساني مسألة معقدة، ولكن الملاحدة الحديثين مثل دانييل دانيت يؤكدون بأن هذا التعقد الظاهري قابل للفهم في إطار طبيعي لا تدخل “للآلهة” فيه. إذا حللنا أفعال الوعي الإنساني بدلالة سلوكات النيورونات، وحللنا سلوك النيورونات بيولوجيا، وحللنا السلوك البيولوجي كيماويا، فإننا سنفسر ما يعتبره الناس دليلا على وجود خالق ذكي (= الله) بطريقة لا تحتاج لأي تدخل خارق. كثير من الناس لا يعرف بأن بأن شومسكي ملحد وبأن مشروعه اللساني هو محاولة للبرهنة على أن اللغة (البيان الإنساني) ليس سوى آليات بسيطة تختفي وراء التعقد الظاهري للغة الإنسانية.
وجود الله والظلم الإجتماعي
يتخذ الإلحاد المعاصر أيضا شكل الإعتراض على الظلم الإجتماعي … “الله” أيديولوجية استعملت لقمع الطبقات الفقيرة وتخديرها، ولاستعباد المرأة، ولتخليد أنماط الإنتاج الإستغلالية، ولتخدير الشعوب والطبقات الكادحة. أكبر دليل على عدم وجود الله بالنسبة لجون بول سارتر هو أن وجوده يفترض بأننا لسنا أحرارا (والحقيقة أننا أحرار)، وذلك لأن وجود الله يستلزم أن كل أعمالنا معروفة لديه من الأزل، وبالتالي فهي محتومة في “علمه الإلهي”. وجود الله نفي للحرية.
خلاصة الإلحاد المعاصر أن “وجود الله” لا يفسر لنا أي شيء … بل يستعمل لتأبيد الظلم والفقر والجهل.
سأبين لك في في الجزء المتبقي من هذا المقال بأن البناء المنطقي للحجج الإلحادية مؤسس على الرمل … مهما كانت ضخامة البيوت المبنية على الرمال فإنها تسقط سريعا.
“عقدة يونس”
الإلحاد ليس مجرد موقف فكري بل هو أيضا موقف فكري مقترن بعقدة أسميها “عقدة يونس” … يونس النبي رجل سمع صوت الله فقرر في بداية الأمر أن يهرب منه إلى ما يلهيه عنه .. هرب إلى البحر حيث الشساعة والرحابة والعمق .. هناك يمكن للإنسان أن يكتشف “الإمكانيات الكثيرة” و”وجهات النظر الكثيرة” و”الأفكار الكثيرة” التي تجعل “صوت” الله مجرد صوت من الأصوات التي قد تتلاشى في شساعة البحر ولامحدوديته … المشكلة أن يونس سرعان ما سيكتشف أنه انتهى إلى بطن حوت كبير. هرب إلى الرحابة واللامحدود، ليجد نفسه في أضيق مكان. وقوفنا “أمام” الله يجعلنا واعين بشكل حاد بأننا نحتاج إلى الرجوع إليه (“التوبة” تعني الرجوع إلى)، بأننا آثمون ولا خلاص من الإثم إلا إذا كنا نتحرك أماما بالعودة إلى صوته … الله هو مرآة القلوب المتمردة. لذلك فإن الإنسان الملحد في الجوهر لا ينكر وجود الله فقط بل ينكر أنه آثم، بأنه “مكلَّف” أمام “مكلِّف”، و”مسؤول” أمام “سائل”. اسم “يونس” كلمة عبرية قديمة (ذات لاحقة هيلينية) تعني “حمامة”. الملحد حمامة هائمة في الزمان والمكان تبحث عن زمان ومكان تختبئ فيهما من صوت “السائل”. لنعد إلى قصة الإلحاد المعاصر … كانت البداية القوية، كما سبق أن بينت، ب”البرهنة” على أن الجملة “الله موجود” لا هي بالصادقة ولا بالكاذبة، ولكن هي جملة لا معنى لها (راجع الجزء الأول من المقال). هناك مغالطتان أساسيتان في محاولة اختزال كانط لحملية الوجود، أولهما أننا يمكن أن نعرف “الوجود” بطريقة وظيفية نحول بها “الوجود” إلى صفة عناصر مجموعة (بالمعنى الرياضي للمجموعة) فنخرج هذه الصفة من كل النقاشات السفسطائية التي قد نغرقها فيها. مثال ذلك أن نعرف “الوجود” بأنه هو صفة كل موضوع أو علاقة متاحين للبحث العلمي، فنجعل هذه المواضيع والعلاقات مجموعة فنعرف “الوجود” وظيفيا بالإنتماء إلى هذه المجموعة. فإذا قلت “سقراط غير موجود”، سيكون بالإمكان تحليل هذه الجملة على النحو التالي: “سقراط” المنتمي إلى المجموعة س، بحيث س هي مجموعة جميع المواضيع والعلاقات التي يفكر فيها الناس هو أيضا عنصر في المجموعة ش التي هي مجموعة جميع المواضيع والعلاقات المتاحة للبحث العلمي. ف”الوجود” لا يمكن أن يعرف وظيفيا إلا بافتراض مجموعة يعرف الوجود عليها … إنكار إمكانية البث في وجود الله أو عدم وجوده، إذن، مجرد مظهر من مظاهر عقدة يونس.
هل صحيح أن وجود الله لا يفسر شيئا؟
ماذا عن العقيدة الإلحادية القائلة بأن وجود الله لا يفسر أي شيء؟ .. من الوقائع التاريخية التي عادة ما يميل الملاحدة إلى إغفالها أن تاريخ العلم كان دائما صادما للفلسفات الإلحادية. خذ على سبيل المثال فكرة أبدية الكون. كانت الفكرة السائدة قبل ازدهار العلم أن الكون يتكون من مادة (هيولى) أبدية منها تكونت كل العناصر التي نجدها في الكون … إلا أن اكتشاف قوانين التيرموديناميكا استبعدت هذه الإمكانية لأن أبدية الكون يعني أن الطاقة ستكون قد انتشرت وبردت منذ زمن طويل! مما اضطر العلم الكوسمولوجي اضطرارا إلى افتراض وجود بداية للكون (أولت على أنها انفجار عظيم). العلم لا يستطيع أن يفترض أن العالم قادم من عدم، ولا يستطيع أن يفترض أن العالم أبدي … لتبقى الإمكانية الوحيدة أن للكون بداية ما. الهروب من التفكر في هذه البداية هو أيضا مظهر من مظاهر عقدة يونس. لنعط مثالا آخر … كان معظم الملاحدة قبل باستور مقتنعين بأن نشوء الباكتيريا والتخمر يحدث بشكل ذاتي و”طبيعي” .. ليكشف باستور بأبحاثه المخبرية عن قانون حاسم مقتضاه أن الحياة لا تولد إلا من الحياة. ولم يكن هذا الإكتشاف مجرد “نظرية” جديدة في نشوء الحياة بل اكتشافا تجريبيا أنقذ الملايين من الناس بما أثمره من حلول علاجية لعدد من الأمراض المعدية … عقدة يونس تعمي أعيننا عن الحلول المبتكرة لمشاكلنا. ماذا عن قدرة الإنتقاء الطبيعي على تفسير “أصل الإنسان”؟ من مظاهر الإفلاس الفكري للإلحاد أنه يميل إلى تحريف الإشكاليات العلمية بشكل يسهل عليه التضليل الذاتي. فليس المشكل في تفسير “أصل الإنسان” هو ما إذا كان الإنسان قد تطور عبر ملايين السنين، بل المشكل هو ما هو هذا “الهومو ساپيانز” الذي تطور إليه هذا النوع؟ يمكن من طبيعة الحال أن نعرف هذه الحلقة في التطور بأن أهلها يدفنون موتاهم، ويطبخون الطعام، وينتجون تعابير فنية، ويستعملون لغة غنية ومبدعة، إلخ. لكن كل هذا لا يفعل أكثر من كونه يخبرنا ماذا يفعل الهوموساپيانز ولا يعرفه لنا تعريفا جوهريا. فجوهر الأداء السلوكي للهوموساپيانز أنه “عاقل” (ذو قدرة على تمثيل العالم و”اللعب” على تمثيلاته) يمتد في العالم ب”إنجازاته الثقافية” ويعطي “قيمة” خاصة لوجوده الخاص ووجود أعضاء نوعه (يحب، يكره، يحتفل ب ..، يصادق، يعادي …). هذه الخصائص الأتروبولوجية هي التي أقنعت هايدڭر بأننا نحتاج ل”تأويل” الوجود الإنساني (الدازاين) وهي التي جعلت جون بول سارتر يعارض معارضة فلسفية جذرية بين الوجود في ذاته (الوجود، العالم …) والجود من أجل ذاته (الوجود الإنساني)، وهي التي أدت إلى ظهور الحركة الشخصانية التي أرادت أن تفهم طبيعة الشخص الإنساني، وهي التي دفعت شومسكي إلى الغوص في بحر اللغة من أجل فهم طبيعة العقل الإنساني. الهروب من هذه الأسئلة وتحريفها بشكل مثير لحواس الناس مظهر من مظاهر عقدة يونس. من الإستراتيجيات الهروبية والتحريفية التي يلجأ إليها الفكر الإلحادي تسطيح المفاهيم بإفراغها من طابعها الديني الأصلي. خذ على سبيل المثال عندما يصرح الملحد أن الواقع لا يمكن تفسيره إلا بقوانينه المحايثة. لكن المفكر الملحد عادة ما يتجنب الخوض في معنى “القانون”، مما دفع بكثير من الملاحدة المعاصرين مثل ڤان فراسن إلى محاولة التخلص من مفهوم “القانون” عندما يدركون مضمونه الميتافيزيقي. فالقانون ليس مجرد “قضية صادقة عامة” (وإلا فإن قولي “كل أصدقائي شعرهم أسود” ستكون قانونا طبيعيا إذا كانت صادقة). تبنى نيوطن وأينشتاين كلاهما مبدأ عاما سمياه بمبدإ “الموافقة” مقتضاه أن القانون ينطبق بنفس الشكل على كل جزء من أجزاء الكون الفسيح .. لماذا ينبغي أن يكون القانون “حكما” مفروضا على الكل؟ وما الذي يجعله “قانونا” وليس مجرد “قضية صادقة عامة”؟ .. هذه هي الأسئلة الميتافيزيقية المحرجة للفكر الإلحادي التي لا يمكن أن يكون الهروب عنها سوى تجليا من تجليات عقدة يونس.
هروبية دائمة!
من تجليات هذا الهروب الإلحادي أن الملحد يخاف من الأذكياء الذين يشتم فيهم رائحة الإيمان بالله … فالمؤمن بالنسبة له لا يستحق المناقشة بل السخرية والإقصاء. ألم يمارس الإقصاء بأبشع صوره في مغرب اليوم على كل الفلاسفة المؤمنين مثل طه عبد الرحمان والمرحوم عزيز الحبابي؟ … ألم ترفض الجامعات السوڤياتية قديما قوانين الوراثة فقط لأن مكتشفها كان راهبا اسمه ماندل؟ ألم يقاوم كل الفلاسفة ذوي الميولات الإيمانية مثل بول رويكور وكيركيڭارد لتعط الفرصة والأسبقية الإعلامية فقط للفلاسفة الملاحدة مثل سارتر؟ أوكد دائما أن أتباع الديانات بمختلف أنواعها مطالبون اليوم بإعادة بناء التاريخ المعاصر بشكل يشكك بشكل جذري في التأويلات العلمانية والتحقيبات العلمانية والروايات العلمانية التي لا نزال نقرأ بها التاريخ المعاصر بكل سذاجة. لا يسعني المجال هنا لأتحدث عن كل أشكال الهروب الإلحادي مثل هروب دوكينز إلى أسطورة الجينة الأنانية، وهروب دانيت عن الخصائص الغير قابلة للإختزال في العقل الإنساني إلى التسطيح النيورولوجي، وهروب شومسكي عن سؤال العقل (وهو سؤاله الأصلي) إلى برنامجه الأدنوي … يكفي الآن أن أشجع القارئ على إعادة قراءة العقل الإلحادي قراءة جديدة قد تسلط الضوء عن أعماقه المظلمة ـ قراءة تذهب رأسا إلى أصل الداء: هروب يونس عن صوت ذاك الذي وسعت رحمته كل شيء.