كُتّاب وآراء

هاتين ديغ يبهدل الصحفي الكنبوري ويكشف زيف ادعاءاته ضد أركون

في ردّ على تدوينات الصحفي إدريس الكنبوري، اعتبر المدوّن هاتين ديغ أن تلك التدوينات في مجملها لا تخرج عن ثقافة التسرع في الكتابة والقول بدل الإنصات والاستماع لمكتوب الكاتب والتمعن فيه والتمتع بنفس طويل من أجل الفهم.

هاتين ديغ

في ردّ على تدوينات الصحفي إدريس الكنبوري، اعتبر المدوّن هاتين ديغ أن تلك التدوينات في مجملها لا تخرج عن ثقافة التسرع في الكتابة والقول بدل الإنصات والاستماع لمكتوب الكاتب والتمعن فيه والتمتع بنفس طويل من أجل الفهم. أما الغرض من مثل هذا –حسبه- فهو تحسين الصورة الذاتية أولا، وتقديم الذات كذات عارفة تحاول احتكار حق إنتاج المعرفة والخطاب لنفسها وانتقاء المنتمين إليها عبر توجيه رأي القراء، دون إتاحة الفرصة لهم للاطلاع بأنفسهم على أعمال أركون، ودليله في ذلك هو القاموس الذي يوظفه الكنبوري الذي ينهله مما سماه بـ “ابيستيمي الهِجاء”. وموقع تيفسابريس ينشر تعقيب هاتين ديغ كاملا. صحفيون من صنف أهل الكهف، إدريس الكنبوري نموذجا..

كتبتُ مقالة مطولة حول تدوينات الصحفي إدريس الكنبوري بشأن محمد أركون، ثم عدلتُ عنها، متيقنا بأن النقاش معه متعذر لغياب شروطه مادام الصحفي ينهل من ابيستيمي الهِجاء ولم يخرج عنه. فإدريس الكنبوري يرادف “المعيور” في قاموسه “النقد”، إذ سبق له أن وصف نوال السعداوي بـ “العجوز الشمطاء” وهو الآن يصف أركون ب “الكاذب والممارس للتدليس وبأنه يجهل الإسلام واللغة العربية” وبعد ذلك يدّعي أنه يقوم بالنقد ويعطي لنفسه مشروعية استعمال هذا القاموس “المعيور” بحجة كونه “رجل معرفة”. وبما أن بعض رواد صفحتي يشاركون منشوراته، ودون أن ندخل في النقاش حول هذا الانتحال للصفة، فإنني سأحاول أن أقف عند “اكتشافات” الرجل، وأسلوبه في خلق نموذج معين من القراء، الذين يظهر منذ البداية أنه يوجههم نحو نوع معين من التفكير القائم على “المعيور” وعلى تبخيس أعمال الآخرين. يقول الكنبوري في تدوينة مسجلة يوم 3 شتنبر على الساعة 20h42 ما يلي “خلال قراءتي لأعمال محمد أركون هذه الأيام، وبعض أعماله لم أكن قد أطلعت عليها بعد لانشغالي بأمور أخرى، اكتشفت عجائب”، يشار إلى أن أركون قد بدأ مشروعه منذ ستينيات القرن الماضي. لقد انتظر الكنبوري أكثر من نصف قرن لكي يناقش مشروعا فكريا، جايله وعاصره، ثم مات صاحبه وبقي المشروع مشروعا حيا، أليس هذا عيبا ينبغي أن يخجل منه لا أن يفتخر بأنه اكتشف فيه ما سماه “عجائب”؟ العجيب فعلا هو أن تكون خارج التاريخ ثم تستفيق فجأة لتجد مشروعا منفتحا على مصراعيه للبحث وللنقد كذلك، وأنت من مُعاصريه، وتقرأ فقرات هنا وهناك من بعض كتب المشروع ثم تسارع لنقده ودحضه بل وتكذيبه كلية، هكذا بدون أدنى مجهود، وعبر تدوينات فيسبوكية، ستختفي سريعا لو أُغلق الموقع الالكتروني. صحيح أن الفكر لا يموت، والعودة إليه، ولو بالتهجم و”المعيور” إحياءٌ له، ولكل واحد الحق في العودة إلى أي عصر وإلى أي مشروع، ولكن أن يكون المشروع معاصرا لك، وألا تكتشفه، أنت المدّعي كونك رجل معرفة، فهذا دليل على كونك خارج تاريخ عصرك وجيلك. وفي تدوينة أخرى مسجلة بتاريخ 8 شتنبر كتبها على الساعة 23h30 يقول فيها “اكتشفت أن هناك عددا من الباحثين يشاطرونني نفس الرأي، لكنهم لم تكن لديهم الجرأة للمغامرة بالتعبير عنه…

اكتشفت أيضا شيئا آخر. أن هناك فئة من المثقفين سجينة قوالب ثقافية مصنوعة على نار هادئة. يحسنون الصراخ لكن لا يحسنون الإنصات. ثم اكتشفت أن بعض هؤلاء لديهم جهل مستحكم، وحقد دفين على المثقف الحر الذي يسائل، ويمحص، ويعيد النظر، ويرفض أن يدخل المعبد وأن يدفع للكاهن”. هذه التدوينة تفضح الرجل أكثر، فهو لم يكن خارج تاريخه الماضي فقط، بحيث لم يطّلع على أعمال أركون التي شغلت الحقل العلمي الخاص بجيله، وإنما أيضا خارج تاريخه الراهن، فكل شيء بالنسبة إليه “اكتشافات”، اكتشف أركون (الماضي) والآن يكتشف القراء (الحاضر)، هكذا يفضح الرجل نفسه أنه غير منخرط بتاتا في سياقه التاريخي ولا بأناسه وطبيعة ميولاتهم (التي قد نتقف أو نختلف معها). ولو أردنا تلخيص حالة الكنبوري لما وجدنا أفضل من قول الشاعر: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداءٌ له وخصوم … لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيم فالكنبوري يتهم أركون بالكذب إذ كتب عنه ” قلنا سابقا إن محمد أركون يمارس التدليس والاحتيال على القارئ، بل يمارس الكذب”، وتهمته مردودة عليه، فقد كتب عن أركون “…وهذا يؤكد لنا شيئا واحدا، وهو أن الرجل لم يكن يهتم بالقارئ العربي المسلم المتفحص والمدقق، بل كان يهمه بالدرجة الأولى أن يصنع له مكانة في الوسط الثقافي والأكاديمي الأوروبي.” بينما كان أركون على عكس ذلك تماما، فقد كتب يقول “كنت حريصا دائما أن أجد مترجما متمكنا من اللغتين العربية والفرنسية، متدربا بمعاجم العلوم الإنسانية والاجتماعية، لينقل إلى القراء العرب نقلا وافيا علميا ما ألّفته بالفرنسية… وازداد حرصي شدةً على ذلك بتعدّد اتصالاتي بالجماهير من العرب والمسلمين عن طريق إلقاء المحاضرات في جميع أنحاء العالم.” (ص 5 من كتابه “تاريخية الفكر العربي الإسلامي”). وقد كذب أيضا حين كتب في تدوينته المؤرخة يوم 09-09-2017 ما يلي “كتاب أركون “قراءات القرآن” الصادر بالفرنسية قبل أشهر (508 صفحات) مليئ بالنقائص والتخبط العلمي والمنهجي. سأورد هنا بعض الأمثلة سريعا: يقول بأن الطبري وضع الأسس النهائية لقواعد التفسير وأغلق العقل المسلم ومنعه من التفكير في طرق أخرى للتفسير” بينما لم أعثر شخصيا على أي كلام من هذا القبيل، ففي كل كتابات أركون هناك إلحاح من طرفه على مصطلح “المحافظة” ضدا على “إغلاق باب الاجتهاد” الرائج في كتابات العرب، وهذا يُحسب لأركون، ذلك أنه، من وجهة نظره، كان هناك اجتهاد ولا يزال لكن يندرج ضمن المحافظة، فآلاف الكتب أنتجت، لهذا فهو يحتاج إلى التجديد. بالتالي فما يتهم به الكنبوري أركون (أي الاحتيال على القارئ) ينطبق عليه هو نفسه، لأن غايته توجيه القارئ نحو نوع معين من القراءة، ولم يترك له ذلك المتسع لكي يشكل رأيه الخاص. الكنبوري أيضا يتهم أركون بما سماه “تضخم الأنا”، ولكن قراءتنا لتدويناته يبرز بأنه هو الذي يعاني من هذا التضخم، ويمكن ملاحظته بشكل لافت في تدويناته وردوده ضد بعض المعلقين، فهم بالنسبة إليه مجرد “عشاق أركون”.

وقد كتب منذ ثلاث ساعات من الآن قوله “كتبت أمس مقولة مكثفة عن التراث أثارت هياجا. الكثيرون فهموها على غير وجهها. عرفت ان البعض ما أن يسمع كلمة تراث حتى يجهز سكينه للذبح” وفي تدوينة يوم 4 شتنبر كتب يقول ” يبدو أن ‘عشاق’ محمد أركون، على طريقة الفضائيات الخاصة بالمنوعات، كثيرون. يعني المتفرجون لا القارئون المنخرطون”، وحده هو القارئ المنخرط، وقالها لهم لأنهم لم يتفقوا مع ما كتبه، وهذه النظرة الاستعلائية ستبرز أكثر حين قال “سأواصل أفكاري عن الرجل الذي تعتبره العقول الصغيرة عبقريا” فقراء أركون بالنسبة للكنبوري هم “عقول صغيرة” وهُم “ضحايا أركون” الذين هم “ممن حويصلتهم الثقافية وزادهم المعرفي قليل” أما تدويناته الفيسبوكية فهي “أفكار” لهذا فهي تتجاوز العقول “الصغيرة” لكل القراء. في تدوينة اليوم قال “منذ القرن 19 بدأت موجة نقد التراث مع المسيحيين العرب. بعد قرن من الزمن تراجعنا الى القرن 19. ليس لأننا لا ننتقد الجانب المظلم في التراث، بل لأننا لا نعمل بالجانب المضيء.” وهذا الكلام ينطبق عليه أيضا، فقد ركز في كتابات أركون على ما نظر إليه هو كجانب مظلم، ولم يرى النور أبدا في كتابات أركون، “لا شيء على الاطلاق”. وفي تدوينة سابقة كتب الكنبوري يقول “إن الفكر يتطور بالحوار والنقاش العلمي والجدال، لا بالهجوم والتبخيس” وهذا أيضا كلام صحيح ينطبق على المفكرين، وأعتقد أن تدويناته التبخيسية والتهجمية على عمل أركون تخرجه هو نفسه من خانتهم. ولو قرأ أركون تدوينات الكنبوري لأصيب بخيبة أمل حينما دعا إلى قوله “إني أحذر القارئ العربي كل التحذير كي لا يحكم على المؤلف اعتمادا على النص العربي فقط. أود طبعا أن تتعدد المناقشات والتعقيبات لخلق جوّ فكري إسلامي حول إشكاليات جديدة محررة من قيود الأرثوذكسيات والميتولوجيات.” (ص 9 من كتابه “تاريخية الفكر العربي الإسلامي”). إن أوّل ما يتعلمه رجال المعرفة الحقيقيون هو أدب الاستماع، فالقارئ اللبيب هو الذي ينصت للكاتب ولما يريد أن يقوله بتأن وبنفس عميق وطويل وليس ذلك الذي يقرأه ويسرع للكتابة ليعبر عن انطباعاته هو. القراءة عند الرجال المدّعين للمعرفة هي وسيلة للقول ولتحسين صورتهم وليست أبدا طريقة ليحيوا بها حياة فكرية. إذا كان المجتمع يفسد أخلاق الناس بترسيخ الحقد والضغينة فيهم وتبخيس أعمال المختلفين عن أنماط تفكيرنا واستدلالنا، فالقراءة عند رجال المعرفة الحقيقيين تُصلح ما أفسده المجتمع فيهم، وتجعلهم يفككون المنطق الداخلي للأفكار دون تهجم على أصحابها أو التقليل من قيمتهم وقيمة أعمالهم، وإلا فإنهم سيعيدون تربية المجتمع على نفس القيم السلبية المنتشرة فيه. هاتين ديغ (يوم 10-09-2017، الساعة 15h15).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock