شمال أفريقياكُتّاب وآراء

ما معنى فقدانَ المصريينَ للغتِهم القبطيّة اليوم

نستَحضر نموذجَ مصر لنلاحظَ كيفَ أنّ الوطنَ، الذي كان اسمُه Egypte أي بلدُ الأقباط (القَومِ المتحدثين اللغةَ القبطية) والذي لا تزالُ أرضُه الجغرافيةُ القديمةُ على حالَها وحدودِها، قد فَقَد تماماً لغتَه الأصليةَ بعد أن حَلّ محلَّها لسانٌ هجينٌ تَشكَّل من بنياتٍ متداخلةٍ من اللغتين: القبطيةِ المحلّية والعربيةِ الوافدة، ثم اللغتانِ أنتجَتا هذا اللسانَ المصطلحَ على تسمِيته اليومَ العربيةَ المصرية أو العاميةَ المصرية.. ونموذجُ مصرَ هذا يِكشف أنّ الحفاظَ على الهوياتِ الجماعيّة للشعُوب لا يتأسسُ على الأرضِ أولاً؛ بل على اللغَة، كما يُؤكد أن فقدانَ المصريينَ للغتِهم القبطيّة اليوم ليسَ معناه أبدًا فَقدُهم جُزءاً أو عنصراً فقط من عناصِر هويتهم كأقباط؛ بل معناه فَقدُهم الهويةَ القبطيةَ بالكامِل، رغم احتفاظِهم بالأرض! ومَعناه أيضاً أنّ الأرضَ، التي لا حولَ لها ولا قوةَ تأثيريّة بشَأن مَسار ومصِير القضَايا المجتمعيةِ مِن علَيها، لا تَملك سِوى الخضوعِ لنفوذِ أيِّما لُغةٍ تَسود في أرجَائها، ولَن يكونَ بمقدورِها إطلاقاً الدفاعُ عن الهويةِ الجَماعيةِ لساكِنتها؛ أي عن لُغتهم وثقافتهم ومَحمولاتهما.. والدليلُ هو هذا الذي نرَاه ونفهَمُه من كونِ هويةِ مصرَ القديمَة لم يَحمِها أبداً كَونُ أرضِها "قبطيةً" من حيثُ الأصل؛ هي التي لم تَملكْ على مَرّ الزمن إلا أن تتحوّلَ رغماً عنها إلى هويةٍ أخرَى جدِيدة ومُختلفة تماماً اسمُها العروبةُ القائمَةُ على اللسانِ الجَديدِ الذي تشكَّل شيئاً فشيئاً ثم سادَ، بَعْدَ هَزمِه اللغةَ القبطيةَ كُليةً.

فكرةُ المناضِل القومي عموماً هي الحِفاظُ على اللغَة أساساً، لأنّ ما عَداها من مُكوناتِ الهويّة الجَماعيةِ كالانسَان والثقافةِ والأرض.. هيَ بنظرِه، عناصِرُ من بابِ “تحصيل الحاصل”؛ أي لوازمُ هُوياتيةٌ فوقِية لا إمكانَ لوجودِها عند أيِّ جماعةٍ بشريّة إلا بوجود اللغةِ الأساسِ أولاً، ومتَى ما اندَثرت اللغَةُ اندثَر كلُّ شَيء؛ بمَا هيَ تُصبحُ عناصِرَ ضِمن المنظومةِ النّقيض وتَكتسِي ملامحَها.
مثالاً على ذلك، نستَحضر نموذجَ مصر لنلاحظَ كيفَ أنّ الوطنَ، الذي كان اسمُه Egypte أي بلدُ الأقباط (القَومِ المتحدثين اللغةَ القبطية) والذي لا تزالُ أرضُه الجغرافيةُ القديمةُ على حالَها وحدودِها، قد فَقَد تماماً لغتَه الأصليةَ بعد أن حَلّ محلَّها لسانٌ هجينٌ تَشكَّل من بنياتٍ متداخلةٍ من اللغتين: القبطيةِ المحلّية والعربيةِ الوافدة، ثم اللغتانِ أنتجَتا هذا اللسانَ المصطلحَ على تسمِيته اليومَ العربيةَ المصرية أو العاميةَ المصرية..
ونموذجُ مصرَ هذا يِكشف أنّ الحفاظَ على الهوياتِ الجماعيّة للشعُوب لا يتأسسُ على الأرضِ أولاً؛ بل على اللغَة، كما يُؤكد أن فقدانَ المصريينَ للغتِهم القبطيّة اليوم ليسَ معناه أبدًا فَقدُهم جُزءاً أو عنصراً فقط من عناصِر هويتهم كأقباط؛ بل معناه فَقدُهم الهويةَ القبطيةَ بالكامِل، رغم احتفاظِهم بالأرض! ومَعناه أيضاً أنّ الأرضَ، التي لا حولَ لها ولا قوةَ تأثيريّة بشَأن مَسار ومصِير القضَايا المجتمعيةِ مِن علَيها، لا تَملك سِوى الخضوعِ لنفوذِ أيِّما لُغةٍ تَسود في أرجَائها، ولَن يكونَ بمقدورِها إطلاقاً الدفاعُ عن الهويةِ الجَماعيةِ لساكِنتها؛ أي عن لُغتهم وثقافتهم ومَحمولاتهما.. والدليلُ هو هذا الذي نرَاه ونفهَمُه من كونِ هويةِ مصرَ القديمَة لم يَحمِها أبداً كَونُ أرضِها “قبطيةً” من حيثُ الأصل؛ هي التي لم تَملكْ على مَرّ الزمن إلا أن تتحوّلَ رغماً عنها إلى هويةٍ أخرَى جدِيدة ومُختلفة تماماً اسمُها العروبةُ القائمَةُ على اللسانِ الجَديدِ الذي تشكَّل شيئاً فشيئاً ثم سادَ، بَعْدَ هَزمِه اللغةَ القبطيةَ كُليةً.
وليسَ من شَك أنّ المِصريين لا يُنكِرون هذه الحَقيقةَ الناصِعَة التي فَرضَت عليهم فَرضاً أن يَعتبروا أنفسَهم حَالياً ذوي هويةٍ عربيّة! ليسَ ذلكَ فحَسب، بَل إنّهُم جَعلوا مَن وطنِهم مَهداً وقائداً للقَوميّة العربية.!
كما ليسَ من شَك أَنَّ مَسار التحَوّلِ الّلسني ببلادهم ينطبِق لا محَالة – عَبر العالَم بأسرِه – على كثيرٍ من المناطقِ والبُلدان التي عانَت طويلاً من حربِ (الثنائية اللغوية) غيرِ المتكافئةِ لأسبابٍ سياسِية واجتماعِية، وبُلدانُ شَمالِ أفريقيا ليسَت تُشكِّل استثناءً ولا يُمكن أن تُشَكِّله.
***
رغمَ قولنَا إنّ “تامازغا” لا يُمكنُ أن تُشكِّل استثناءً، ثمةَ مَن يُروِّجُ في بلادِنا اليومَ وبقوةٍ لفكرةٍ مختلفةٍ تماماً؛ هي أن تحديدَ الهوية الأمازيغيةِ مُبتَدأُه ومُنتَهاه الأرضُ وليس اللغَة! وذلكُم موقفٌ ليسَ مُجانباً للصوابِ فحَسب؛ بل هو انحرافٌ أكيدٌ حتى عن أهمِّ بنودِ كلٍّ من “ميثَاق أكادير” و”البيانِ الأمَازيغي” التي تنُص بصَريحِ العبَاراتِ على أن أَوْلَى الأولوياتِ بالنسبة للهويةِ الأمازيغِية هي الرقِيُّ بلغَتها وثقافتِها؛ وذلكَ بإدماجٍهما في التّعليم وفي الإعلامِ، وبإحلالِ اللغةِ أساساً “المكانةَ التي تستحقُّها” في الدستور.
وكذلكَ كان..
لكنَّ الذي “كانَ..” تَمَّ بخُطىً سيَاسيةٍ متعثرةٍ وباستجَاباتٍ حُكوميةٍ مستخِفَّة؛ ابتدَأت بالإدماجِ الجُزئيّ السّلبي للّغةِ في التّعليمِ وفي الإعلامِ، وانتهَت بتَرسيمِها الشكلِي في دستُور 2011، والبقيةُ تأتي..
طبعاً، كانتْ ولا تَزالُ تلك الإجرَاءاتُ السياسيةُ جميعُها مجردَ “حُلولٍ” ظَرفيةٍ خادعةٍ ومَحسوبةٍ حساباً لأجلِ الحَيلولةِ دونَ أن تُقدِّم الدولةُ شيئاً ذا بالٍ لفائدةِ القَضيّةِ غيرَ التخطيطِ المُمَنهج لاغتيالِها: أولاً؛عَن طريقِ التَدبيرِ الجيِّد لِسياسَة انقراضِ لُغاتِها الحيّة.. وثانياً؛ بالمُراهَنةَ على عاملِ الزمَن لتحقيقِ ذلك الانقِراض.
وتأسيساً علَيه، الدولةُ وَاعِيةٌ بأنّ قوةَ الأمازيغيةَ في بَقاءِ لُغاتِها وأنّ فَناءَها في فَنائِها؛ لذلك تَحرصُ كلَّ الحِرص على عَدم خلقِ أيّةِ بيئةٍ مناسبةٍ لحَياتِها واستِمرارِ حَياتِها..
،،،
تلكَ هي الحقِيقةُ المُرةُ التي لا مِراءَ فيها، فكيفَ إذن يَنشُر فيِ الناسِ بعضُ الفاعلينَ الأمازيغِ أن أطروحةَ أولويةِ الأرضِ على اللغة هي شَرطُ إحقاقِ حُقوقِ الهويةِ الأمازيغيّة؛ والحالُ أن الأمرَ ليس كذلكَ كما تُبيّنُ الحالةُ المِصرِية بِالوُضوحِ اللازم؟!
وكيفَ فاتَهم أنْ لا شيءَ ستُقَدمه “فكرتُهم” غيرُ المَسؤولةِ هذه لأجلِ الحفاظِ على اللغَة التي هي حقّاً رمزُ الهوية القوميةِ لدَى جَميعِ الشّعوب؛ إذ ما الذي ستَستفيدُه الهويةُ الأمازيغية ُ مَثلاً من “ادعائهم” أنّ المغاربةَ جميعاً أمازيغيون؟ وما القيمَةُ التي ستنضَافُ لِجَوهرِ قضيتِنا حتّى لو حَدَثَ وصرَّحَ جميعُ الناطِقين بالعربيةِ المغربيةِ في شمال أفريقيا اليَوم أنّهم من أُصولٍ أمازيغيةٍ وأنّهم ليسُوا عرباً؟!!
طبعاً، لا شيءَ ستَكسبُه الهويةُ المنزوعةُ اللُغةِ بمثلِ هذا الكَلامِ الواهِم سوى التَّطبيعِ مع التعريب،ِ وسوى التّسريعِ من وتيرتِه، وسوى خِدمَة أنصَاره وبالمَجّان..
،،،
حقاً وبالفِعل.. لَقد كَان أجدادُنا أمازيغِيين؛ لكنْ بلُغتِهم لا بأرضِهم، وكذلك الأجيالُ الحاضرةُ ستَظل أمازيغيةً؛ إنْ هي استطاعَت إنقاذَ ما يُمكنُ إنقاذُه من لُغاتِها التي تَموتُ الآنَ بين أيدِيها، وليسَ إنْ هي أوقفَتْ عقلَها عند مُجَردِ التَوَهُّم أنّها تذودُ عن الأرضِ التي هي فيها..! في الوَقتِ الذي لا عدوانَ عليها ولا استعمارَ يُهدّدها!
،،،
تلك أطروحةٌ غريبٌ مضمونُها بِحَق.. هذا أقلُّ ما يُمكنُ أن يُقالَ عنها..
ولَكَمْ يَحِز في النفسِ استِساغَةُ بعضِ العقولِ “العاطفية” للأحلام .. ولَكَمْ يُسيء لِقيمةِ “العقلِ” نفسه تصديقُ أكثرِ النّاسِ للأوهام.. فيا مَن تُناضلونَ دفاعاً عن هُويتِنا الجماعيةِ الأصيلَة تأكدوا أنّ بدءَ الخَطوِ لِتَجاوُزِ مُعضلتِها يَكمُن في استيعابِ الآتي:
1 – إنّ لُغاتِ الأمازيغيةَ هي القَضيةُ ذاتُ الأولويّةِ لا غيرُها..
2 – إنَّ المطلوبَ وبإلحاحٍ هو إعادةُ التفكير جِدياً ونقدياً في الموضُوعِ بحيادٍ عِلمي، ليسَ برًغبةِ الوُصولِ لِرفضِ سياسةِ التذويب والاحتِواء التي تُمارسُها السلطةُ اليومَ؛ بل لِتأكيد أهَميةِ أن يَشمَلَ التفكيرُ جِدياًِ ونَقدياً أيضاً المسَارَ الذي عليه الأمازيغيةُ حتى الآن… وذلكَ بعيدًا عن وضع الثقةِ العَمياءِ لا في نَهج السّلطةِ ولا في اختيَاراتِ الحركة الامازيغية.
المطلوبُ هو نقدُ كلِّ الأفكارِ ومناقَشةُ كلِّ الوضعياتِ… ومن البداياتِ، بحثاً عن نهج النضالِ الأقوَم الهادفِ إلى تَمتيعِ هُويتِنا بوجودِها الحق والطبيعي؛ مُواجهينَ أقوى افتِراضٍ في عُمقِ الإشكاليةِ، بطبيعةِ الحَال، وهو الآتي: إنّ (تامازغا) كأيِّما أرضٍ على المَعمورِ لَو سُئلَت عن العُنصرِ الأساسِ المُحدِّدِ لِهويتِها لَردَّت على الفَور: إنهُ لُغتي السّائدة!! ثمَّ حين يتَبيَّنُ أنّ العَربيةَ الدارجةَ هي السائدةُ وليسَ الأمَازيغِيات؛ فذلك جَرسٌ يُنذِر بأنّ أرضَ المَغربِ والمَغاربِ عُموماً علَى دَرب مِصر، ومن سَار علَى الدّربِ وصَل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock