كُتّاب وآراءوطنية

شمّاعة العقليات و القدَرية السياسية

تيفسابريس / د.عبدالله زارو.
الركوب الملكي على مظاهر السخط الاجتماعي، إعمالا للقاعدة أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، هي من حيل الخطب الملكية منذ انطلاقة “العهد الجديد”..
لذلك، نقدّر أن خطاب اليوم لم يأت بجديد في هذا الباب طالما تماهى مع نبرة شعبوية لاتُخطئها العين خصوصا بعد زلزال الحسيمة و هزاته الإرتدايدية هنا و هناك..
و لعل الخطاب الشهير الحامل لتساؤل : أين ذهبت الثروة” علما بأن المسئول ليس أعلم من السائل في هذا الباب، هو التعبير الأجلى و الأفضح عن هذه الآلية الركوبية التي تُظهر الملك كما لو كان أكثر شعبية من الشعب نفسه مثلما تُظهر مغاربة “عياشة” في الطرف المقابل و في مناسبات عدة، كما لو كانوا ملكيين أكثر من الملك..
الأحزاب منتوج مخزني خالص تم إعداده في مختبرات أم الوزارت.. بنسب متفاوتة في الإعداد المتقن..
و العقليات التي هي شماعة خطاب اليوم ما هي إلا منتوج تنشوي (من التنشئة) التي يتكفل الجهاز الأيديولوجي الرهيب للمخزن بنحت أدق تفصيلاته، من الكتاب القرأني حتى الجامعة، مرورا بجمعياته التي هي صنائعه، جمعيات الوديان و الأنهار و أسبوع الفرس و الكولف، فضلا عن مجالسه العليا (الإستشارية) المتخصصة في امتصاص الغضب الزائد.. في مجالت بعينها (حقوق الإنسان، الشؤون الصحراوية، التعليم، الأمازيغية، المجالس العلمية “الطالبانية” الهوى و المنزع..و هلم جرا)

وقبل هذا و ذاك، من السخف و السذاجة المفرطة أن ننتظر من الملك خطابا جذريا ضد الفساد المستشري، و أن نصدق دعواه المكرورة بوجوب و ملحاحية ربط المسئولية بالمحاسبة طالما أن ميزانيته الخاصة (ميزانية القصر) معفية من المساءلة الشعبية، “تجاوزا البرلمانية”..
و طالما أن قرارته في مجال السياسة الخارجية غير خاضعة للمساءلة الشعبية أيضا ، اي البرلمانية تجاوزا..و كمثال مأساوي على ذلك توريط المغرب في المستنقع اليمني بقرار انفرادي إرضاء لمشيخات خليجية خرافية و لمصالح مادية خاصة باتت معروفة لدى القاصي و الداني..
بناء على ما سبق، ما على الشعب، الشعب المدرك لكون سلطته فوق كل السلط و الواعي بمصالحه الحقيقية و الفعلية، إلا أن يُمسك زمام أمره بيده.. لابديل عن ذلك..
من الوارد أن يترنح في البداية، فيسقط و يقوم، و وتدخل مكوناته و أطيافه في حروب جانبية تستنفد بعضا من وقته و جهده..فيما يشبه أمبيريقية سياسية مكلّفة و مخيفة للمرتعدين الذين لم يتعودوا على التكفل الذاتي بأمورهم الخاصة..
لكن لا خيار غير هذا كيما يعانق الشعب نضجه فيقرر مصيره بنفسه و لنفسه..
أقرب مثال إلى هذه السيرورة المرجوة هو النموذج التونسي بعد الثورة الذي شق طريقه بصعوبة بالغة في البداية، لكن ها هو ينضج بالتدريج و يصلب عوده..
سئمنا من الدروس التي لا يلتزم صاحبها و مُدبِّجها بالبدء من نفسه على سبيل القدوة و الأسوة..
لذلك من الطبيعي جدا أن تُبرَّر كل المفاسد بخطاب فضفاض حول سوء العقليات و فسادها المزمن و حيلة الإختباء وراء القصر المعصوم، علما بأن القيادة السياسية الرشيدة و الحاسمة ليس من مهامها ممارسة السوسيولوجيا التبريرية و التمسح لتبييض إخفااتها المزمنة بل، يمكنها فقط الإستئناس بمعطياتها و المرور، من ثمة، إلى الحسم بمقتضى القانون الذي يجب أن يسري على الجميع..أكرر على الجميع، من فوق لتحت..
فلو علقنا كل مصائبنا ، في الحقيقة جرائمنا السياسية، على شماعة العقليات فسنرواح أبد الدهر مستنقع الفساد و اللإفساد تحت الذريعة الكسولة و المغرضة، ليس بالإمكان أفضل مما كان..
وبذلك سنكرس و نشرعن سياسيا عقيدة جبرية كتلك التي كرسها الأمويون في بداية حكمهم عملا بالقاعدة الفقهية التي استصدروها من علماء البلاط في زمانهم :
إنما تجري أعمالنا كلها، خيرها و شرها، بقدر من الله (الجهم بن صفوان).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock