كُتّاب وآراء

حقيقة الحملة المسعورة التي يتعرض لها ميشيل مافيزولي(1)

يتعرض ميشيل مافيزولي لحملة مسعورة من قِبل “اللوبي السوسيولوجي البورديوي” في باريس منذ بداية سطوع نجمه كأنثروبولوجي مختلف، وأستاذ محاضر في السوربون 5 بجامعة روني ديكارت في بداية الثمانينيات..
و ما كان يٌغيظ “بورديو” و “باسرون” و شيعتهما في مافيزولي ليس ، فقط، كونه وافدا على “عاصمة الأنوار” من الهامش السحيق، بل لأنه انخرط في مشروع طموح يروم تقويض السوسيولوجيا الدوغمائية للجماعة الباريسية المتسلطة على معظم الفضاءات الجامعية و الأكاديمية بباريس و النواحي، بما فيها “الكوليج دوفرانس”..
فمافيزولي يتحدر من بلدة صغيرة جدا في الشرق الفرنسي إسمها “غريسوساك”، لا يتعدى عدد ساكنتها 70000نسمة، أغلبهم عمال كادحون منجميون من أصول إيطالية ، مثلما كان والد مافيزولي إيطاليا و كان أيضا من البروليتاريا المنجمية، فالبلدة معروفة بإنتاجها الحصري للفحم..لنقل هي “جرادة” فرنسا بينما “غريسوساك” هي “جرادة” فرنسا..
كان مافيزولي متألقا في كل أطواره التعليمية، و عندما بلغ الطور الجامعي إلتحق بستراسبورع ثم غرونوبل ليواصل دراسته العليا في السوسيولوجيا و الأنثربولوجيا..
من أبرز أساتذته الألمعيين الذين تخطى صيتهم حدود “الإيكزاكون” ، و تركوا فيه، شخصيا، أثرا دائما: العلامة جيلبير ديران صاحب السِّفر الضخم “البنيات الأنثربولوجية للمتخيل”..و الذي عجز ، حتى الآن، جهابذة الترجمة عن السليم و الدقيق نقله إلى العربية، و المحاولة اليتيمة التي تمت إلى الآن فشلت فشلا ذريعا في ذلك، ما جعلها تموت في المود..هذا فضلا عن تأثره البالغ بالباحث السوسيولوجي الفرنسي المغمور “غويو” و نظيره الألماني “جورج زيميل”…و ليس من قبيل الصدفة أن كليهما جحد بهما أكاديميو عصريهما و استكثروا عليهما صفة عالم أو باحث جامعي في السوسيولوجيا، فغويو، مثلا، قال عنه دوركايم ..هجين هذا الرجل، فلا هو يتسم بموضوعية و صرامة السوسيولوجي، و لا بالحس المرهف للفنان و الفن الذي يزعم أنه يتخصص في دراسته..أما “زيميل” فقد شكل “لوبي أكاديمي” في زمانه حاجزا جمركيا فعليا حتى لا يحاضر في الجامعات الألمانية أو يُعترف له بصفة “باحث” في علوم الإنسان..و ستلاحظ أن “ما فيزولي” سيتعرض للإضطهاد نفسه في مواجهته لسدنة الفكر و السوسيولوجيا في عصرنا حتى و إن كان ذلك بوضاعة أكبر و خسة أعظم..
بعد “ديران”، هناك أيضا الباحث الرائد في إشكالات العنف “جوليان فروند” ، المغمور نسبيا في بلده، و الذي اعتمده “ماف” كثيرا في بحوثه الممتعة و الأصيلة حول “العنف المألوف و العنف المؤسِّس”..و لعله بتأثير منه كان بحثه في الدكتوراه حول “منطق الهيمنة” و تكملته التي جاءت تالية ، بعنوان “العنف الكلياني”..
بعد نجاح “ماف” في الإلتحاق أستاذا محاضرا بالسوربون 5 عبر عن عزم و تصميم كبيرين لمواصلة مشروعه السوسيولوجي المضاد للسوسيولوجيا التقليدية التي كان “بورديو ” و جماعته هم حاملو مشعلها في باريس تحديدا، قبل أن تمتد إلى معظم فرنسا و يتلقفها المقلّدون الببغائيون عندنا هنا في المغرب منذ الثمانينيات و جعلوا منها موضة فكرية، ومرجعية مطلقة، بل و إنجيلا معرفيا صالحا لفك كل ألغاز المجتمع، على طريقة “إفتح ياسِمسم”..
في هذا التوقيت تحديدا ، كان مافيزولي رائدا لتيار فكري جديد، ثوري في جوهره، و مجدِّد في مسعاه، وضع نصب عينيه تقويض السوسيولوجيا الكلاسيكية، منذ تجلياتها الوضعانية المؤسِّسة إلى فذلكاتها البورديووية التي قسمت المجتع إلى “حقول” في شكل دوائر صالحة للدرس كجزر منفصلة عن بعضها..ما يسميه “ماف” التبعيض السوسيولوجي و تقطيع الأوصال المجتمعية في السوسيولوجيا الوضعية التي لا تُقنع بقدر ما تُفحم..علما بأنه شتان بين الإقناع و الإفحام..
زد على ذلك أنها ظلت مخلصة للمنهجية الوضعانية في البحث القائمة على الإحصاء و الديمغرافيا و العينات التمثيلية و المتغيرات المعروفة و المكرورة (عمر ، جنس، طبقة..) كما لو كانت متغيرات لا متغيرة حتى ولو ثبت تغيرها المتواتر بفعل حركة الواقع الاجتماعي المعاصر التي تجاوزتها بِما لا يُقاس..
أدركت “مافيا بورديو” و شيعته أنهم في مواجهة منافس و غريم سوسيولوجي جاد إسمه “مافيزولي”، فصمموا على ترصد “هفواته” حتى تهتز صورته العلمية، قبل كل شيء، في أعين طلبته و التيار الفكري الذي يمثله، بل و الذي هو شيخه و رائده..
حاولوا مرارا عن طريق المقارعة الفكرية فعادوا بخفي حنين..لأنهم وجدوا في “ماف” محاججا شرسا و مرافعا متألقا لفائدة طروحاته التجديدية..
ثم حاولوا تجريب طرق أكثر وضاعة…تنتمي للحس المشترك و بادئ الرأي الذي جعل منه “بورديو” واحدة من فزاعاته الإبيستيمولوجية، لكنه لم يتحرج من استعمالها عند الضرورة..
كان ذلك مع مطالبة وزيرة التعليم العالي، قبل ما يربو عن عقد، بالتحقيق في “علمية” أطروحة جامعية أشرف عليها مافيزولي، و هي للطالبة و الإعلامية “إليزابيت تيسير”، و كانت حول “سوسيولوجية علم الأبراج”..
تشكلت لجنة “علمية” على عجل بطلب من الوزيرة ، و كان من جملة أعضائها البارزين “إيمانويل ليفيناس” ، فخلُصت إلى ما يأتي، والذي كان منتظرا بالنظر إلى الإنتقائية الغالبة على عضوياتها:
الأطروحة لا تستوفي المعاييرالعلمية، بل هي “لا أطروحة”..une non thèse
و قد لُوحظ حينها أن كل أعضاء اللجنة كانوا من ذوي الحساسية الوضعانية العلموية المسايرة لسوسيولوجية “بورديفان”، أي “بورديو” كما سماه المرموق “إدغار موران” على سبيل السخرية اللاذعة، قاصدا بورديو الذي تم تكريسه، رغم أنف الجميع، إلها مطلقا لعلم الإجتماع و ما جاوره.. تمّ تأليهه سوسيولوجيا..
بالمناسبة، موران هو من أكبر المُعجبين بالمشروع المافيزولي الصاعد، حتى أنه ما تردد، يوما ، وهو من هو، في تعميد الرجل بالنيزك السوسيولوجي..
بعد ذلك جرّبوا معه مقلبا صبيانيا قبل سنتين أو ثلاث، شبيها بالكاميرا الخفية في بلد متخلف..
بعثوا له، بواسطة أحدهم، بحثا “ميدانيا” متخيلا زعموا فيه أنه يعزز ، على نحو مدهش، واحدة من أطروحاته القائلة بالنقلة المجتمعية المعاصرة من “الأنطولوجيا إلى الأنطوجونيز..”، فطلبوا منه نشره في الدورية التي ]يُشرف عليها “مجتمعات” فنشره فعلا..و بعد النشر خرجت “الفئران البورديوية” من جحورها لتصدح بأعلى صوتها بأن أحدهم هو من كان وراء المقلب، و أن البحث المزعوم كان من بنات خياله، و بالتالي فدورية “مافيزولي” غيرجادة، لأنها غير صارمة في اختيار و انتقاء المقالات الصالحة للنشر من عدمه.
بعها، و بحقد هيستيري لا أثر فيه لهم علمي…
انتقل “اللوبي البورديوي” من أسلوب الرصد و المقالب إلى التشكيك و التشهير بقدرة و مصداقية ما فيزولي ليتبوأ مناصب بعينها، من جملتها “رئيس الجمعية العالمية لعلم الإجتماع”، و حصوله على “الدكتوراة الفخرية من جامعة روما”، و انتزاعه عضوية في المركز الوطني للبحث العلمي، cnrs رافعا، عن طريق بيادقه المتفرقة في عموم فرنسا، عريضة تدعو الوزيرة إلى التراجع الفوري عن هذا التنصيب “المخجل” (كذا)..
ثم انهالت و انهمرت المقالات المسمومة و المتحامِلة على الرجل في الدوريات السوسيولوجية المختلفة، منها من وصفته بشيخ طريقة صوفية، ليس بينه و السوسيولوجيا إلا الخير و الإحسان،
ومنها من وصفته بوصمة عار على جبين السوسيولوجيا الفرنسية، مباشرة بعد صدور كتابة “أيقونولوجيات””iconologies
و منها من وصفته بـ “عناق بن عواج ” السوسيولوجيا الفرنسية..
ومنها من قالت عنه سوسيولوجي أرستقراطي بفراشة دائمة papillon حول العنق و مناصر للطروحات الفوضوية و الكلبية “الديوجينية”، العجب العُجاب عينه.. و غيرها من أساليب و صيغ التشهير التي باتت معروفة في الأوساط الأكاديمية الفرنسية..و غالبا ما تكون مادة للتندر بالأكاديميين الفرنسيين في المجالس الخاصة و العامة..
زارو
يُتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock