كُتّاب وآراء

الجرأة المفقودة في ربط المسؤولية بالمحاسبة

منعم أولاد عبد الكريم

لا زلت أتذكر جيدا حديثا جمعني في خريف سنة 2007، بإحدى مقصورات الدرجة الأولى من القطار الرابط بين الدار البيضاء وطنجة، ببعض الشخصيات من النخبة المغربية: رجل دين مرموق، محامي مخضرم وأحد المسؤولين السياسيين بطنجة. فعلى طول الرحلة، تمحور مجمل الحديث حول الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالوطن. كان الأمر في البداية حديثا ثنائيا يجمع رجل القانون برجل السياسة، فيما كنت أنا منهمكا في قراءة فصول شيقة من رواية “La fiesta del chivo” (حفلة التيس) لماريو بارغاس يوسا، والتي يوري فيها،بحس روائي رفيع،قصة اغتيال الديكتاتور الدومينكاني “رفاييل طروجييو”؛ بينما ظل رجل الدين المرموق وذو الفتاوى المثيرة للجدل يطالع الأفق بنظرات شاردة لوقت طويل، إلى أن بلغنا منطقة بين مدينتي سوق أربعاء الغرب والقصر الكبير حيث -وكما هو مألوف-  تعرض القطار للرجم بالحجارةوأصابت حجرة كبيرة زجاج مقصورتنابشكل عنيف ، مما جعل السيد الفقيه ينتفض هلعا من مكانه، فانخرطنا جميعا في نقاش عقيم وغير مفهوم حول هذه الظاهرة، لكنه سرعان ما عمل ذاك المحامي الخمسيني الأنيق على استدراجنا بدهاء إلى المشاركة في النقاش الثنائي الذي كان يجمعه برجل السياسة ذو التوجهات اليمينية.

تحول النقاش حينها إلى مواجهة شبيهة بإحدى حلقات برنامج “الاتجاه المعاكس” بين الفقيه ورجل السياسة. كان كل واحد منهما يطرح وجهة نظره حول مجريات الأمور بالوطن ويدافع عنها بتعنت شديد، ملقيا في الآن نفسه باللائمة على الطرف الآخر في تخلف المجتمع والوطن. الفقيه يلوم السياسيين الانتهازيين والفاسدين والمصلحيين والسياسي يلوم رجال الدين المتزمتين والظلاميين والعاجزين عن مسايرة تطورات المجتمع، بينما ظل المحامي يحاول لعب دور الوساطة. كنت حينها أصغرهم سنا وأحسست بأن رأيي غير مرغوب فيه، فلزمت الصمت وبقيت أتابع بإصغاء شديد فصول النقاش، إلى ان طالبني المحامي بتقديم نفسي وإبداء رأيي في الموضوع. فقلت:

“إننا، على قلتنا، نمثل أطيافا ثقافية ومجتمعية جد متنافرة، تعكس ولو نسبيا درجة التنوع الذي يزخر به مجتمعنا. لهذا، أعتقد أننا لسنا مطالبين بأن نكون متفقين أو أن نقنع بعضنا البعض بما يؤمن به كل واحد منا بقدر ما نحن مطالبين بقول حقيقة الأمور والتعبير عما نؤمن به بكل صدق وندافع عنه بشكل حضاري مع احترام حق الآخرين في الاختلاف عنا. أرى أننا الآن نبحث عن التطابق من خلال إلزام كل واحد منا الآخرين برأيه أو لنقل بحقيقته؛ والواقع أن ذلك مستحيل ولن يؤدي بنا إلا إلى التصادمات. أما فيما يتعلق بتشخيص مسببات تخلف بلادنا، فقد تحدثتم عن عدة جهات وفئات واستثنيتم المؤسسة الملكية من المسؤولية وكأن بنا في نظام جمهوري أو ملكية رمزية. والحال أن المؤسسة الملكية بالمغرب، وأنتم تعلمون ذلك جيدا، هي أعلى وأكبر سلطة وعليها يقع القسط الأكبر من المسؤولية. فإن كنا غير قادرين على محاسبتها داخل المؤسسات الرسمية، فهذا لا يجب أن يدفعنا لتركها خارج حتى نقاشاتنا الهامشية وكأنها غير مشاركة في اللعبة نهائيا. الأوضاع بالمغرب غير مطمئنة بتاتا وهي تسير من سيء إلى أسوء وعلينا تحديد هرم المسؤوليات حتى يكون تشخيصنا صائب ونقاشنا مفيد…”

حينها قاطعني الفقيه العلامة قائلا: “أنت متشائم جدا، وتبالغ نوعا ما. علي الخروج لاستنشاق بعض الهواء…” ثم غادر المقصورة وهو يقوم ببعض الحركات المرتعشة من أجل تثبيت نظاراته الطبية السميكة جدا. ومباشرة تبعه رجل السياسة متحججا بحاجته إلى الذهاب للمرحاض، مثله كمثل تلميذ كسول حينما يعجز عن الإجابة عن أسئلة الامتحان. فيما كانت تعلو محيا المحامي ابتسامة ماكرة. وبعد مغادرتهما خاطبني الأخير قائلا: “لقد رفعت السقف في الاتجاه الذي يخشاه الجميع. هؤلاء مجرد ببغاوات لا يجيدون إلا النقاشات السطحية والطعن في الأعراض وجلد بعضهم بعضا.” ثم قهقه.

منذ ذلك الحين، ازددت يقينا بأن دوري لا يتحدد في إقناع الآخرين بما أنا مؤمن به من أفكار، بل في قول ذلك بكل صدق ودون خوف مهما كان ذلك مزعجا ومخلخلا للنمط التفكيري للآخرين، ما دام الأمر يتم بأسلوب لائق بالظروف والشروط. ولا زلت أعتقد أن سبب تخلفنا في الميادين السياسية أساسا ثم الاقتصادية والاجتماعية راجع إلى أننا بالمغرب بقينا غير قادرين منذ زمن بعيد على تسمية الأمور بمسمياتها وتحديد مكامن العطب بدقة وجرأة، بل ووجدت نخبنا السياسية والمثقفة نشوة في إلقاء المسؤوليات على أطراف وهوامش دائرة القرار مقابل إغاضة الطرف عن المحور الذي يحركها. ولقد تسبب هذا الأمر في تأخير الإصلاحات الحقيقية اللازمة لإخراج البلاد من دوامة الأزمة، وبالتالي الحكم على باقي الإصلاحات بالفشل أو بجعلها محدودة التأثير.

ففي ظل التعقيد الذي يميز البنية المجتمعية المغربية، تبدو نخبنا السياسية والثقافية مختلفة ومتشتتة إلى أبعد حد حول مختلف القضايا المجتمعية والفكرية والإيديولوجية…، إلا أنها تصير متراصة الصفوف وموحدة الموقف حينما يتعلق الأمر بنقاش عمومي أو حراك يقترب من محاسبة نواة السلطة والحكم بالمغرب، كما حدث مع الحراك الاجتماعي لسنة 2011 ويحدث الآن مع حراك الريف. فقول الحقيقة هو المدخل الرئيسي لربط المسؤولية بالمحاسبة ثم اعتماد الإجراءات الإصلاحية الضرورية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock